ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٨٦
المنقولة الكاشفة عن تصلبه في أمر الدين من دون ملاحظة لَوْم و لا عتاب . قوله : « فأودع قلوبَهم أحقادا بدريةً » . أقول : أما الأحقاد البدرية فواضحة ؛ لأنّ المحاربة مع أهل مكة و العمدة فيهم بنو أميّة ، و كذلك الأحقاد الحنينية؛ فإن المحاربة ـ و إن كانت مع الهوازن ـ إلا أن أهالي مكة و منهم بنو اُميّة قد ظهر منهم في هذه الغزوة بعض الإقدامات ، من حيث كونهم متزلزلين و مضطربين من جهة فتح مكة بما يقرب من شهر أو شهرين قبل ذلك ، حتى أن النبيّ صلى الله عليه و آله قد أعطى أكثرَهم من غنائم حنين قسمة كثيرة و منع الأنصار ، و ليس ذلك إلا لتأليف قلوبهم وحبَّبهم و لسدّ باب فتنتهم . و هذا كله واضح ، و إنما الإشكال في الأحقاد الخيبرية ؛ فإن المحاربة [ في خيبر ] مع اليهود ، و لم يظهر من جماعة اليهود بعد النبيّ صلى الله عليه و آله بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يصح انتسابه إلى آثار تلك المحاربة . ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأن الفتح لمّا كان في تلك الغزوة باسم أمير المؤمنين ، و قلعُه باب خيبر معروف من الأخبار و السير ، حتى قيل فيه أشعار و أبيات كما في قصيدة ابن أبي الحديد : يا قالع البابِ الذي عن حمله عجزت أكفٌّ أربعون و أربعُ [١] مع أن رجال الصحابة قد انهزم كلُّ واحد منهم مع جنده قبله في الأيام السابقة ، و مع انهزامهم في اليوم السابق ، كان يرجو كلٌّ منهم إعطاءَ الراية غدا لهم ، لما وعد صلى الله عليه و آله بقوله : لاُعطينَّ الرايةَ غدا رجلاً يحبُّ اللّه َ و رسولَه ، و يحبُّه اللّه ُ و رسولُه [٢] . لكونهم آيسين من عليٍّ لابتلائه شديدا بوجع العين ، فلما كان الغد دعا النبي عليا ـ و كان أرمد ـ فحضر ، فأعطاه اللواء بعد أن استشفى لعينيه بلعابه الشريف ، و قال : اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه وشماله ، و قِهِ الحرَّ و البردَ ... إلى آخره . و من الواضح أن هذه أسباب عظيمة للحقد و العداوة لكبار الصحابة ، كما أن الانهزام و الفرار في غزوة الحنين في أول الأمر لما أصابهم العين السوء بملاحظة كثرة جيش الإسلام ، و عدم بقاء الأصحاب مع النبي صلى الله عليه و آله ، إلا القليل مما يقرب العشرة منهم أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى أن النبي لما رأى هزيمة الأصحاب أمر العباس عمَّه ـ و كان جهوريَّ الصوت ـ بأن
[١] شرح القصائد الهاشميات و العلويات ، ص ١٤٠ ، و هو من القصيدة السادسة من القصائد العلويات السبع .[٢] الدعوات للراوندي ، ص ٦٣ ؛ الكافي ج ٨ ، ص ٣٥١ ؛ علل الشرائع ، ج ١ ، ص ١٦٣ .