ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٠٨
و جوابه واضح ؛ فإنّ العلة المحدثة ليست مبقية ، فكما أن حدوث الممكنات لا بدّ له من علة فكذلك بقاؤها . و معنى قيُّومية الواجب تعالى هو إبقاء الموجودات على حالة الوجود ؛ لأن علة الاحتياج إلى الواجب في الممكنات على التحقيق هو الإمكان لا الحدوث . فالهداية كما أنها في بدو الحدوث مفتقرة إلى مشيئة الباري تعالى فكذا في بقائها ، فالسؤال في هذه بالنسبة إلى البقاء ؛ كما في الصافي [١] عن أمير المؤمنين عليه السلام : يعني أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا . انتهى . و بتقريب آخر نقول : إن الهداية قد تكون بمعنى إراءة الطريق كما في قوله تعالى : «إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا» [٢] ، و قد يكون بمعنى الإيصال إلى المطلوب كما في قوله تعالى : «إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لَـكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» [٣] ؛ حيث إنّ إراءة الطريق كان من وظائف النبي « ص » ، فالمنفي في الآية هو الإيصال المسبَّب عن التوفيق الرباني ، فليس كل مهتدٍ في البدو واصلاً إلى المطلوب ـ و هو الجنة ـ حتى يثبت و يستمر على دينه ، و يكون راسخا في إيمانه إلى الموت ، و هو بتوفيق اللّه سبحانه . فالدعاء في الآية سؤال ذلك التوفيق و الإدامة في الهداية . وأمّا الصراط في الآية فعلى ما في الصافي [٤] عن المعاني [٥] عن الصادق عليه السلام : هي الطريق إلى معرفة اللّه تعالى ، و هما صراطان : صراط في الدنيا ، و صراط في الآخرة ؛ فأمّا الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ، من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ، و من لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم . انتهى . فقد استفيد من هذا الخبر أنّ صراط الدنيا مقدمة لصراط الآخرة الذي هو أدقّ من الشَّعر و أحدّ من السيف ، و الناس مختلفون في سلوكه بين مسرع في السير كالبرق الخاطف و مبطئ فيه ، إلى أن يصير بعضهم يمشي على أربع . و مبنى الاختلاف اختلافهم في مراتب الولاية .
[١] الصافي ، ج ١ ، ص ٨٥ ؛ و انظر : معاني الأخبار ، ص ٣٣ ، ح ٤ .[٢] سورة الإنسان ، الآية ٣ .[٣] سورة القصص ، الآية ٥٦ .[٤] الصافي ، ج ١ ، ص ٨٥ .[٥] معاني الأخبار ، ص ٣٢ باب معنى الصراط ، ح ١ .