ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٠٧
فيقول : «أيها الشجاع و ابن الشجعان الكرام ، أغثني» ، فيعلِّق الحكم على الوصف مشعرا بالعلية ، يعني : إنّ استغاثتي و التجائي بك لأجل الشجاعة الموروثة و الكرم المألوف من سلسلتك ؟ هذا ، و أمّا حمل هذه العبارات و أقسام النداء على الندبة ـ و إن كان مناسبا لكون الدعاء مسمى بدعاء الندبة كما أشرنا إليه في المقدمة ـ و لكن يبعّده وجهان : أحدهما : أن المندوب يُزاد الألف غالبا في آخره مع الهاء أو بدونها لاستطالة الصوت ، و هذه العبارات كلها خالية عنه . الثاني : أن هذه الأوصاف لا تلائم الندبة ، بل هي ـ كما عرفت ـ مهيِّجة للحميّة و مثيرة للغيرة و الحماسة .
المعنى :
و حيث إن رجلاً لو كان مظلوما و سيّده غاب عنه لا يدري [ أين ]محله ، فهو من كثرة الظلم و شدة ما يرد عليه يتفحص و يتجسس كل نقطة و مكان من المظانّ المحتملة ، فإذا وجد سيده فبعد إظهار فدويته و عرض إرادته و خدماته يلتجئ إليه و يستغيث به و يخاطبه و يناديه بما يهيّج به حميَّتَه ، فإنْ نال مقصوده و إلا فيلتجئ بمن هو أعلى منهما ، و كلهما مطيعان له ، و الأمر موكول إلى إرادته السنية . فكذلك الداعي بهذا الدعاء لفرط الابتلاء في الغيبة الكبرى يتفحص عن سيده بتعبيراته الأولية بعبارات الاستفهام بقوله : «أين أين» إلى أن يصل بمقام قربه و الاستعداد ، لحضرته ، و كأنه وجده ، فيظهر فدويته بقوله : « بأبي أنت و أمّي » ، ثم يناديه بهذه العبارات . قوله : « يا ابن الصراط المستقيم » الصراط المستقيم إشارة إلى الآية الشريفة : «اهْدِنَا الصِّرَ طَ الْمُسْتَقِيمَ» [١] . أمّا معنى الهداية إلى الصراط ، فربما يصدر من بعض الجهّال المعاندين و أبالسة الإنس سرّاق الدين بعض الكلمات في أمثال هذه الآيات بتشكيك ضعفاء العقيدة من المسلمين بمثل هذه الشبهات الواهية ، فيقول مثلاً : «إنك لو كنت على الهداية فما معنى الدعاء ؟ لكونه حينئذ تحصيلاً للحاصل ، و إلا فأنت على ضلالة ! إذ هما ضدان بل نقيضان لا يجتمعان و لا يرتفعان» .
[١] سورة الفاتحة ، الآية ٦ .