ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٤٩
مقدمه مؤلف
أما المقدمة
فاعلم أن المعصومين ـ سلام اللّه عليهم ـ لكونهم أكمل المخلوقات في أعصارهم و الوسائط للفيوضات الواصلة إليهم ، على ما يُستفاد من الأخبار الكثيرة ، من أنه لولا هم لخسف بنا الأرض و لغارت الأنهار ، و قد اُشير إلى ذلك إجمالاً في بعض فقرات دعاء «العديلة» ، حيث قال : و بوجوده ثبتت الأرض و السماء ، و بيُمنه رُزق الورى . فلا بد أن يكون كلٌّ منهم أتمّ و أجمع للكمالات التي منها الفصاحة و البلاغة ، بحيث صارت سببَ الإعجاز في كلام الباري تعالى ؛ على ما هو المشهور من وجوه إعجاز القرآن . و لما كان مقتضى البلاغة تكليم كلِّ واحد على قدر فهمه و معرفته ؛ كما قيل : « كلِّموا الناس على قدر عقولهم »، [١] فلم يتمكنوا من إظهار مراتب الفصاحة و البلاغة مع الأشخاص المخاطبين السائلين عن الأحكام ؛ لعدم استعدادهم غالبا للتكلم إلا على نحو أوضح و أبين بطريق ساذج . بل ربما كانوا لا يلتفتون إلى البيانات الواضحة أيضا . فكان كمالهم مذخورا عندهم ، لم يكد يتفق لهم موردٌ لإظهار مذخوراتهم من مكنونات البلاغة إلا في أمثال الأدعية و المناجاة ، فلذا صارت الأدعية المأثورة عنهم ـ سلام اللّه عليهم ـ قابلة للتوجّه ، بل محتاجة غالبها إلى الإيضاح و التنبّه ، و مفتقرة أكثرها إلى البيان في الفهم و التفقّه . ألا ترى إلى دعاء « العديلة » و « الصباح » متوقفة عباراتها على البيان و الإفصاح ، و كذا دعاء « الكميل » و « السمات » ، و كذا سائر الأدعية المحتوية على غامض العبارات ؟ و من هذا القبيل دعاء « الندبة » ، [ لا ]سيما أواخرها المشتملة على مطالب صعبة . و من المعلوم أن الغرض من الدعاء ـ و هو الوصول إلى مطالب الدنيا و الآخرة ـ لا يتحصل إلا بعد فهم معنى الدعاء ، و ليس كالقراءة في الصلاة في تعلق الغرض بالألفاظ ، بل المقصود هو المعنى ، و الإنشاء إنما يتعلق به . و لا معنى للطلب قبل تصوّر المطلوب ، بل هو نظير تعشق واحد من سلاطين السلف ، حيث سمع باب التعشق و قصص بعض العشَّاق ، فعشق السلطان من دون معشوق ، و قال
[١] نحوه ما ورد في المحاسن ، ج ١ ، ص ١٥٩ ؛ الكافي ، ج ١ ، ص ١٩٥ ؛ الكافي ، ج ١ ، ص ٢٣ ، ح ١٥ و ج ٨ ، ص ٢٦٨ ، ح ٣٩٤ ؛ الأمالي للصدوق ، ص ٥٠٤ ، ح٦٩٣ ؛ مشكاة الأنوار ، ص ٤٣٩ و... .