ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٥٤
قوله : « فشرطت عليهم الزهد » أي ألزمتهم بملازمة الزهد و الورع ، و يُستفاد معنى الإلزام من تعلق « عليهم » به . كما أن معنى الالتزام مستفاد من العبارة الآتية « فشرطوا لك ذلك » ، أي التزموا بما ألزمتهم به ، و هو معنى العصمة ؛ على ما عليه الإمامية في حق الأنبياء و الأئمة سلام اللّه عليهم . قوله : « وسألك لسان صدق في الآخرين » إشارة إلى إبراهيم ـ عليه و على نبينا و آله السلام ـ على ما حُكي عنه في سورة الشعراء ، حيث سأل ربه بقوله : «وَ اجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْأَخِرِينَ» [١] . و المراد بلسان الصدق ـ و إن كان يُحتمل كونه الثناء الجميل كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام : و لسان الصدق يجعله اللّه تعالى للمرء في الناس خير له من المال يورِّثه غيرَه [٢] ـ و لكن الظاهر إرادة الأشخاص في هذا المقام ؛ فإن الخليل ربما كان بصدد أعقابه و ذريته ، حتى أنه سأل الإمامة أيضا في عقبه ، حيث قال بعد قول اللّه تعالى له : «إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّــلِمِينَ» [٣] . فالغرض في هذا المقام سؤال الذرية الصالحة ، و الولد الصالح أيضا لسان صدق ، بل هو أقرب إلى اللسانية من المال الصامت و أمثاله ، فاستجيب له بإعطاء سؤله ، كما اُشير إليه في سورة مريم بقوله : «وَ وَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَ جَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا» [٤] . فالضمير راجع إلى إبراهيم و إسحاق و يعقوب عليهم السلام ؛ لتقدم ذكرهم . و لقد كنت قبلاً في القرون السالفة [٥] ـ بصفاء الباطن و بمكنون الودّ و الولاية ـ أُأَوِّل الآية المذكورة بأمير المؤمنين عليه السلام ، فصادف أن وجدتُ في هذه الأيام في تفسير الصافي [٦] منقولاً عن القمي [٧] بما هو صريح في ذلك ، و أن المراد من الرحمة الموهوبة نبينا صلى الله عليه و آله ، و هو رحمة للعالمين ، و لسان الصدق هو أمير المؤمنين عليه السلام .
[١] سورة الشعراء : ٨٤ .[٢] الكافي ، ج ٢ ، ص ١٥٤ ، ح ١٩ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ١ ، ص ٣٢٨ ؛ الصافي ، ج ٣ ، ص ٢٨٤ .[٣] سورة البقرة ، الآية ١٢٤ .[٤] سورة مريم ، الآية ٥٠ .[٥] كذا ، و الصحيح : في السنين السالفة .[٦] الصافي ، ج ٣ ، ص ٢٨٤ .[٧] تفسير القمي ، ج ٢ ، ص ٥١ .