ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٣٠
و في العبارة السابقة : « اللهم و نحن عبيدك التائقون » أي : اللهم ارحم و الحال أنّا عبيدك و منسوبون إليك ، فالتقييد للتهييج و التشويق بتذكار المناسبة . و لا يبعد القول بما اختاره الفراء في أصل هذه الكلمة ـ حيث قال : أصلها « يا اللّه آمنّا بالخير » فخُفف بحذف الهمزة وغيرها ـ بأن يكون « و أقم » عطفا على الأمر المذكور ، و قوله : « و نحن عبيدك » حالاً عن المفعول في « آمنا » . و اعتراض الرضي ـ بقوله : و ليس بوجه ؛ لأنك تقول : « اللهم لا تؤمهم بالخير » ـ ليس بوجه ؛ لعدم التناقض ؛ لاختلاف المتعلَّق كما هو واضح . قوله : « ريّا رويّا » مفعول مطلق من قوله : « و اسقنا » ، غاية الأمر أنه مصدر من غير لفظ فعله كما في « قعدتُ جلوسا » . و التوصيف بالرويّ يجعله نوعيا ، و هو مبالغة في الري ، مثل « شعر شاعر » .
البلاغة :
اعلم أن الالتفات باب في علم المعاني واسع ، و لابدّ له من نكتة ، كما قالوا في قوله تعالى : «إيَّاكَ نَعْبُدُ» [١] بعد قوله : «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَــلَمِينَ» [٢] إلى ما بعده من صيغ الغيبة ، فالعدول إلى الخطاب من الغيبة بملاحظة أن التحميد و التقديس ابتداءً كأنه صار مقرِّبا إلى حضرته تعالى . أو أن بذكر الأوصاف عرف الموصوف ، كأنه صار ممثَّلاً بين يديه فخاطبه خطاب العيان . ففي المقام حيث إنّ إمام العصر ـ عجل اللّه تعالى فرجه ـ و إن كان حاضرا يرانا في كل آن و مكان ، و لكن لا نراه على الرسم ، فهو غائب مستور عن أبصارنا ، و ليس معلوما لنا مكانه و محله ، فالتعبيرات الأولية بقوله : « أين بقية اللّه التي لا تخلو » الخ ، ناظرة إلى مقام الغيبة و الاحتجاب عن الأنظار، وبعد ذكر أكثر الأوصاف المختصة بوجوده الأقدس كأنه صار ممثَّلاً و مغيَّبا يصلح للخطاب ، مع كون ذلك التمجيد سبب نوع قرب و زلفى للمتكلم ، فصح التعبير بالخطاب و العدول من الغيبة إليه في قوله : « و نفسي لك الوقاء يا بن السادة المقرَّبين » . و حيث إنّ هذه الصفات العالية و الخصال الحميدة السامية أجلّ و أعلى من أن يواجه المتكلم صاحب تلك الصفات [ لا ]سيما بعنوان التنزيل و الادّعاء ، فتواضع و تنزّل عما هو
[١] سورة الفاتحة ، الآية ٥ .[٢] سورة الفاتحة ، الآية ٢ .