ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٠٤
و إن كان بعد وفاتهما فهو كذب محض ؛ إذ لا معنى للفداء إلا تعريض الفداء للقتل ، و لا وجه له مع الموت ؛ لكونه تحصيل الحاصل . مع أنه ربما كان الفداء في أمثالهما أفضل من المفدَّى له ، مثلاً في قول العلياء زينب الكبرى ـ سلام اللّه عليها ـ في مرثية أخيها الحسين عليه السلام : بأبي من هو لا جريح فيداوى ... الخ [١] . و الذي يمكن أن يُجاب بحيث يندفع الإشكال بحذافيره ، أن يقال : كون هذه العبارات و أمثالها كناية عن إنشاء المدح للمفدَّى له ، و الغرض إظهار الإخلاص و المحبة من القائل ، فالغرض من الكناية ـ التي هي ذِكر اللازم و إرادة الملزوم أو العكس على الخلاف ـ هو إظهار مراتب المحبة و الخلوص . و قد ذكروا الفرق بين المجاز و الكناية : أن المَجاز إرادة اللازم مع القرينة الصارفة عن المعنى الأصلي الذي هو الملزوم ، و الكناية إرادة اللازم مع جواز إرادة الملزوم لا وجوبه و تعينه ، ففي قولك « زيدٌ كثيرُ الرماد » الغرض إرادة معنى السخاوة الملزومة أو المستلزمة لكثرة الرماد و إن لم يكن له رماد ، كما أن « طويلُ النجاد » كناية عن الشجاعة و إن لم يكن له نجاد ، و هكذا . فاندفع بهذا إشكالات عديدة ربما صارت مطارح الأنظار في الفقه و غيره ، مثلاً لو قال رجل لآخر : « يا ابن الفاعلة » أو « ملعون الوالدين » فهل هو قذف للأبوين أو شتم لهما أو هو شتم و إنشاء ذم للمخاطب و المقول فيه فقط ؟ و حيث إنّ في الكناية جواز إرادة المعنى الأصلي مع المعنى الكنائي لا وجوبه ، فالقدر المتيقَّن هو الشتم للمقول فيه ؛ فإن خبث الأبوين لكونه غالبا يظهر في الأولاد ـ لكون الإناء يترشَّح بما فيه ، و إن الولد سرّ أبيه ، و لا تلد الحية إلا الحية ـ فبين خبث الأبوين و خبث الأولاد ملازمة غالبا ، فاُريد اللازم . فلا يلزم الحدّ للقذف ؛ لعدم الصراحة و اليقين ، و «الحدود تدرأ بالشبهات» . فإذا كان الأمر كذلك في طرف الذم فكذلك المدح ؛ حيث إنّ الرجل في مقام المحبة لشخص آخر بصدد البذل له بجميع ما يتعلق به من أمواله و أعز الأنفس عليه من الوالدين و الأولاد ، و بالأخرة نفسه التي هي أقرب إليه من جميع من سواه ، و كل هذا كاشف عن نوع
[١] انظر : اللهوف ، ص ٧٩ ( مطبعة مهر ) ؛ بحار الأنوار ، ج ٤٥ ، ص ٥٩ ؛ العوالم ، ج ١٧ ، ص ٣٠٣ .[٢] سورة التين ، الآية ٢ .[٣] معاني الأخبار ، ص ٣٦٥ ؛ بحار الأنوار ، ج ٩٦ ، ص ٧٧.[٤] المناقب لابن شهرآشوب ، ج ٣ ، ص ٣٠٥ ، و قد نطق به الإمام الحسن السبط عليه السلام أيضا حين قال له معاوية بعد الصلح : اذكر فضلنا كما في الأمالي للصدوق ، ص ٢٤٥ و تحف العقول ، ص ٢٣٢ و غيرهما .[٥] البداية و النهاية ، ج ١١ ، ص ٣٦١ ؛ بحار الأنوار ، ج ٥٥ ، ص ٤٨ .[٦] سورة يوسف ، الآية ٨٢ .[٧] سورة النمل ، الآية ٦٢ .