ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٩٣
فالبكاء في الواقع نحو تشفٍّ للقلب و تخلية للباطن و مقلِّل للأحقاد و الضغائن ، و لذا كان أهل مكة ينهون نساءهم عن البكاء على قتلى بدر؛ كي لا تخمد نار العداوة و لا يقعدوا عن قصد الانتقام ، كما صنعوا ذلك ، إذ هيّؤوا الأسباب لغزوة اُحُد في السنة الآتية . و كيف كان ، فالبكاء مستند إلى رقة القلب المسبَّبة عن التناسب بين الباكيّ و المبكيّ عليه ، و كلما ازدادت المناسبة اشتد البكاء ، فيكشف ذلك عن فرط المحبة . مثلاً : إن كان المبكيّ عليه مؤمنا أو عالما أو هاشميا فتشتد العلاقة ، و بسببها [ يشتد ]البكاء ، فالبكاء على آل محمد ـ صلوات اللّه عليهم ـ به سبب القرابة من النبي كاشف عن فرط الولاء و المحبة ، فحسنه من جهة المكشوف عنه ، و إلا فلا خصوصية للكاشف ، و لذا كان التباكي كالبكاء من حيث إقامة الشعار و حفظ شؤونات المحبوبية ، فالتباكي في هذا المقام كالتيمم بدل اضطراري من الماء و النظر إلى المكشوف عنه لا الكاشف . و من هنا تندفع إشكالات كثيرة من حيث العكس و الطرد ؛ فإن بكاء ابن سعد و أمثالهم في كربلا ما كان مسبَّبا عن المحبة و الولاية لخصوص [الـ ] عترة الطهارة ، بل كان لاقتضاء الطبيعة البشرية ، و قد قلنا : إن الغرض هو المكشوف عنه . و كذلك الإشكال في أن خروج قطرة من العين كيف يطفئ نار جهنم و يوجب محو السيئات الكثيرة ، و أيّ مناسبة بين العمل القليل و الجزاء الكثير ؟ فإنّ جوابه ـ مع قطع النظر عن كون مبدأ الفيض غير متناهية فيوضاته ، و يعطي الكثير بالقليل و «لاَ يُسْئلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئلُونَ» [١] ـ أن هذه الثمرات في الحقيقة على المكشوف ـ و هو الولاء و المحبة ـ لا نفس البكاء . قوله : « أين الحسن و أين الحسين » . هذا الكلام مزيد توجّع و تحسّر ؛ على ما أشرنا إليه من أن الاستفهام ليس على حقيقته . و أمثال هذه الكلمات على الطبيعة البشرية تحريص و ترغيب و بعث على الانتقام ، و استدعاء من الواحد القهار ، أو تشجيع و استغاثة إلى حضرة حجة اللّه عجل اللّه فرجه . و لا يخفى ما في العبارة من اللطف في التعداد ، فإنّ أبناء الحسين إلى حجة العصر ثمانية ، يمكن أن تكون العبارات « صالح بعد صالح » إلى قوله « بعد الخيرة » على الترتيب
[١] سورة يوسف ، الآية ٨٤ .[٢] سورة الأنبياء ، الآية ٢٣ .[٣] سورة النحل ، الآية ١٦ .[٤] نقله عنه النراقي في عوائد الأيام ، ص ٢٤٦ .[٥] نقل البياضي في الصراط المستقيم : (ج ٢ ، ص ٢٦٠) عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : و اللّه لكأني أنظر إليه بين الركن و المقام ، يبايع الناس بكتاب جديد ، و أمر شديد ، و سلطان من السماء ، لا ترد له راية . و روى الصفار القمي في بصائر الدرجات : (ص ١٧٥ ح ١٣) عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رواية : كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة ، ثم أخرج المثال الجديد على العرب الشديد .[٦] سورة البقرة ، الآية ١٨٩ .[٧] الإحتجاج ، ج ١ ، ص ٣٣٨ ، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ، ج ١ ، ص ٣١٤ ؛ بحار الأنوار ، ج ٢٣ ، ص ٣٢٨ ، ح ٩ .[٨] الصافي ، ج ٥ ، ص ١١٠ .[٩] سورة الرحمن ، الآية ٢٧ .[١٠] مجمع البحرين ، ج ٤ ، ص ٤٧٣ .[١١] كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج ١ ، ص ٣٣٤ ؛ و انظر : التوحيد ، ص ١١٧ ، ح ٢١ .[١٢] عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج ٢ ، ص ١٠٦ ح ٣ ؛ الأمالي للصدوق ، ص ٥٤٥ ، ح ٧٢٨ ؛ التوحيد ، ص١١٧ ، ح ٢١ ؛ الاحتجاج ، ج ٢ ، ص ١٩٠ .[١٣] بحار الأنوار ، ج ٣٢ ، ص ٢١٠ ، ح ١٦٥ .[١٤] الغيبة للنعماني ، ص ٣٠٧ ، ح ١ .[١٥] مسالك الافهام ج ١١ ص ٤٥٩ ، بحار الأنوار ج ٦٣ ص ٤.[١٦] سورة الإسراء ، الآية ٣٣ .[١٧] كما في الكافي ، ج ١ ، ص ٤٦٥ ، ح ٦ ؛ و الأمالي للطوسي ، ص ٤١٨ ، ح ٩٤١ ؛ و بحار الأنوار ، ج ٤٥ ، ص ٢٢١ ، ح ٣ .[١٨] سورة النمل ، الآية ٦٢ .[١٩] بحار الأنوار ، ج ٥٢ ، ص ٣٤١ ، ح ٩١ ؛ و انظر : الغيبة للنعماني ، ص ١٨٢ .[٢٠] تفسير العياشي ، ج ٢ ، ص ٥٦ .