ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٥٧
و المحدَث واضح معناه ، و هو المتجدِّد الحادث ، فقد وُصف القرآن بالحدوث . ولعل « المعرضين » أعم من الإعراض عن أصله أو عن وصفه بالحدوث ، فهم قد كذَّبوه في هذا الوصف ، و أتاهم أنباء المستهزئين . قد حُبس أحمد بن حنبل أزيد من سنتين . و لا عجب من هذه الغفلة ، و ليس هذا الذهول أعجب من ذهول الثاني ، حيث قال في وفاة النبي صلى الله عليه و آله : «إنّه حيّ لم يمت!» ، حتى ذكّره الأول و ردعه بنقل الآية : «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُم مَّيِّتُونَ» [١] . و كيف كان ، فقد ذكر في حياة الحيوان كرامةً لأحمد بن حنبل في القول بقِدَم القرآن : أن عبد اللّه بن ورد قال : رأيت في الرؤيا رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه [ وآله ] و سلم ـ فقلت له : يا رسول اللّه ، ما شأن أحمد بن حنبل ؟ قال : سيأتيك موسى بن عمران فاسأله ... الحديث [٢] ؛ فإنّ آخر الحديث ـ على ما نقله ـ و إن كان ينبئ عن تمجيد أحمد ، و لكن ظني أن يكون الرائي قد سها في آخر الرؤيا ؛ فإنّ إحالة الرسول صلى الله عليه و آله أمرَ أحمد بن حنبل المنكر لحدوث القرآن و مخلوقيته من بين الأنبياء إلى موسى بن عمران عليه السلام إن كان للفضل فبينهم من هو أفضل كالخليل ، أو للتقدم فأبو البشر أقدم ، أو للقرب فروح اللّه أقرب منه ، و ليس إلا لكونه كليما ، فله في أمر الكلام خصوصية . و لا يبعد أن تكون تلك الخصوصية إحساس كلامه من الشجرة ، كما اُشير إليه في الدعاء : وبعضٌ كلَّمته من الشجرة تكليما أخذا له من الآية الشريفة في سورة القصص : «فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِىَ مِن شَـطِىءِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَـرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَـمُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَــلَمِينَ» [٣] ؛ إذ من الواضحات حدوث ذلك الكلام و ظهوره من الشجرة بإيجاد الباري صوتا ، فمعنى تكلُّمه تعالى إيجاده الكلام . و ما زعمه بعض من أن موسى سمع نداءه من الجهات الستة ليكون فرقا بين كلام اللّه و كلام المخلوق ، فهو خلاف ظاهر الآية الناطقة بظهوره من الشجرة بـ « من » الابتدائية . قوله : « و لا يقولَ أحدٌ لولا أرسلتَ إلينا رسولاً » الخ ؛ عطف على « لئلاّ يزول » ، و معناه : إنّ بعث الأنبياء و تخيّر الأوصياء لكل منهم بعنوان « المستحفِظ » إنما هو لإقامة الدين و قطع
[١] سورة الزمر ، الآية ٣٠ ، مسند أحمد ، ج ٦ ، ص ٢٢٠ ؛ صحيح البخاري ، ج ٤ ، ص ١٩٤ ؛ السنن الكبرى ، ج ٨ ، ص ١٤٢ ؛ فتح الباري ، ج ٨ ، ص ١١١ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ٢ ، ص ٤٠ و ... .[٢] حياة الحيوان ، ج ١ ، ص ٧٤.[٣] سورة القصص ، الآية ٣٠ .