ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ٥٦
و الحروف ، و هي مترتبة الأجزاء ، و كل ما هو كذلك فهو حادث على ما سبق ، و حيث إنّ قيام الحوادث بذاته الأقدس لا يجوز فقالوا : إن معنى التكلم إيجاد الكلام و لو في الحجر و الشجر و الهواء و أمثال ذلك . و الحنابلة و الكرَّامية أيضا قالوا بحدوث الكلام ، إلاّ أنّ الحنابلة قالوا بكون الكلام صفة قائمة بذاته مع كونه مركَّبا من الأصوات ، و هي حادثة ؛ لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى . و الكرّامية أنكروا كبرى القياس [١] . ولعمري إنّ نزاع كون القرآن قديما أو مخلوقا كان له أهمية تامة في زمان أوائل الخلفاء العباسية ، و كان هارون الرشيد يرى كونه قديما غير مخلوق ، و لكن المأمون اعتقد بكونه مخلوقا و دعى الناس إليه ، حتى أنه أمر بإحضار أحمد بن حنبل من القائلين بالقدم ، و قبل وصوله إليه توفّي المأمون ، و حسب وصيته إلى أخيه المعتصم هو أيضا دعا الناس إلى القول بمخلوقية القرآن ، و أحضر أحمد بن حنبل ، و عقد مجلسا لمناظرته مع العلماء في هذه المسألة ، و لم يلتزم بالحدوث ، فأمر بحبسه على ما في حياة الحيوان في أحوال المعتصم ، و فيه : إن أحمد في ضمن مذاكراته قال : «لو جئتموني بآية من القرآن لأجبتكم و قلتُ بحدوثه» [٢] . أقول : و مما يقضي منه العجب أن مثل أحمد بن حنبل ـ واحد من الأئمة الأربعة ـ يقنع بآية واحدة في حدوث القرآن ، و العلماء الحاضرون يفتون بقتله تارة و بسوطه اُخرى [٣] و لا يأتون بما رامه! ليتني كنت في هذا المجلس كي أقطع النزاع ، و أحسم مادة الجدل بذكر آية من آيات القرآن في أوائل سورة الشعراء ؛ قال تعالى : «وَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَـنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَـؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ» [٤] . فإنّ الذكر قد اُطلق في القرآن كثيرا على كلام اللّه تعالى ؛ قال : «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـفِظُونَ» [٥] ، و قال : «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَ لِقَوْمِكَ» [٦] إلى غير ذلك من الآيات .
[١] البيان في تفسير القرآن ، ص ٤١١ ـ ٤١٥؛ المستصفى ، ص ٨٠ ـ ٨١ .[٢] حياة الحيوان ، ج ١ ، ص ٧٣ (دار إحياء التراث العربي ـ بيروت).[٣] أي بضربه بالسوط .[٤] سورة الشعراء ، الآيتان ٥ و ٦ .[٥] سورة الحجر ، الآية ٩ .[٦] سورة الزخرف ، الآية ٤٤ .