ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٥٧
و اتفق أن شيخا تظلم إليه من فتى وجده في بستانه سارقا ، فأخذه و جاء به إلى داوود يتظلم ، فحكم داوود بمتن الواقع و قال للفتى : اُقتل الشيخ ، و تملك الحديقة ؛ هذا هو الحكم . فنادى الشيخ بأعلى صوته : «يا معشر بني إسرائيل ، هلموا إلى حكم الجور ، إني تظلمت إلى داوود في سارق حديقتي!» و هذا حاكم القضية عوض قطع يد السارق قد أمره بقتلي و تملك حديقتي . فاجتمع بنو إسرائيل و حاصروا داره ، فاختفى داوود لا يخرج من داره إلى ثلاثة أيام و هو يتضرع إلى اللّه ، و يلتمس منه السر في هذا الحكم و حكمة القضية . فأوحى اللّه إليه : يا داوود ، السر فيه أن هذه الحديقة كانت ملكا لأبي هذا الغلام قتله الشيخ في الحديقة و تملك الملك ، و الشاهد فيه أنه وارى السكين تحت الشجرة الفلانية ، و كذا جسد المقتول في المحل الفلاني . فأخبر داوود بني إسرائيل بذلك ، ففحصوا الموضع فوجدوا كما أخبرهم و تفرقوا . فأوحى تعالى إليه : يا داوود ، اُحكم بين الناس على الظاهر : «يَـدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» [١] ، فعاد داوود إلى وضعه الأول ، و ما حكم بالواقع من حيث هو واقع ما لم يطابق أحد العناوين الشرعية الظاهرة . كما أن نبينا صلى الله عليه و آله أيضا ما كان مأمورا بالحكم طبق الواقع ما لم يساعده شيء من العناوين ، و هكذا أمير المؤمنين عليه السلام . و ما اشتهر من قضايا أمير المؤمنين و أحكامه حتى قيل « قضية و لا أبا حسن لها » [٢] فإنما هو لأجل إعماله الكياسة و الفطانة الظاهرية لا لحكمه بعلم الإمامة . فالحكم بمتن الواقع و إلغاء العناوين الظاهرية مخصوص بحجة العصر ـ عجل اللّه فرجه ـ ، حتى أن حكامه و عماله في البلاد ينظرون في أكفهم في كل قضية ترد عليهم و يرون حكم المسألة منقوشة فيها ، فلا يحتاجون إلى البيّنة و لا إلى اليمين . و لذا تنسد المحاكم الغير الشرعية ، و يتعطل باب الوكالة و شهادة الزور و غير ذلك من أسباب الدخل لأكثر الناس . و لأجل ذلك ترى أكثر أعدائه من أهل العلم ، حتى أن محيي الدين الأعرابي قال في فتوحاته المكية : » و أكثر أعدائه مقلاة أهل الاجتهاد ، و لو لا أن السيف بيده لأفتى أكثر العلماء بقتله» . و في بعض الروايات : أنه يضرب أعناق سبعين ألفا من هؤلاء بظهر الكوفة . و من الواضح المعلوم أن الناس من عوامهم إلى خواصهم لا يتحملون غالبا لأحكامه و
[١] سورة ص ، الآية ٢٦ .[٢] الرسالة السعدية للعلامة الحلي ، ص ٢٥٧ ؛ الإيضاح ، ص ١٩٣ .