ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٢١
الكمالات هو غائب عن الأنظار مستور مختف في الأقطار متوار عن الناس خوفا من الأشرار ، فيتأسف له الداعي بتفديته نفسه و يقول : «ليت نفسي تكون بدلاً عنه و فداءً له!» في مقام الفقدان و الغيبة الذي هو منزَّل منزلة الموت و الهلكة . و كما أنّ رجلاً كان في معرض القتل فيفدَّى عنه بنفس آخر ناطقة أو ناهقة أو بمال لكونه أهم و أشرف ، فكذا القائل يجعل نفسه الفداء للإمام الغائب في مقام غيبته المنزَّلة منزلة الموت ؛ و ذلك لأجل شرافته و كونه رؤوفا عطوفا علينا كجده المصطفى رحمة للعالمين . و كونه « معاهد عزّ لا يُسامى » أي لا عزّ فوق عزه ؛ فإنّ أسباب العزّ من العلم و الشجاعة و السخاوة و أمثالها موجودة على نحو الأكملية فيه عليه السلام ، كما عرفت . و كونه « تلاد نعم لا تُضاهى » أي من النعم القديمة التي لا تُضاهى بسائر النعم ، و قد اتضح معناه مما ذكر . أما كونه نعمة فواضح ، و قد فُسّرت النعمة في أكثر الآيات بحجة العصر ، و أية نعمة فوق الإمام ، فالنعمة هي المنفعة الواصلة من الغير ، و أية منفعة أعظم من الإمام ، بل المنافع تفيض علينا بواسطتهم . و مرجع هذا كله إلى بيان ممدوحية الصفات المذكورة و استحسانها تقديرا و تقديسا ، كي يكون ذلك التقديس تشويقا للغير و ترغيبا لهم إلى الاتصاف بهذه الصفات . فإذا رأينا أن واحدا من الأجلة و المعتبرين يجعل نفسه فداءً لرجل آخر أكمل منه لأجل شجاعته و علمه و سخاوته و غير ذلك من صفاته الراجعة فائدتها غالبا إلى الأشخاص و آحاد الملة ، فيتشوَّق كلُ سامع إلى تكميل العلم و الشجاعة و غيرها من تلك الأوصاف ؛ كسبا للشرف و اتخاذا للاحترام عند الأنام ، بل هذا هو الغرض من تدوين التاريخ و السير و ضبط أحوال السلف ؛ لتكون تذكرة للخلف عند رجوعهم إليها و تنبههم من مجاري حالاتهم و وقائع سلفهم ، من سوء المجازات للأشرار و حسن المكافأة للأخيار ؛ «لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَ يَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ» [١] . و لعمري إن المقصود من ذكر قصص الاُمم السالفة في القرآن المجيد ليس إلا هذا ؛ أ لا ترى إلى ما يقول تعالى في الآية : «أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـقِبَةُ الَّذِينَ
[١] نهج البلاغة ، ج ١ ، ص ٣٠ ، الخطبة ٢ .[٢] سورة الأنفال ، الآية ٤٢ .[٣] سورة محمد ، الآية ١٠ ، و في النسخة : «كفروا» ، بدل «آمنوا» ، و هو خطأ .[٤] سورة البقرة ، الآية ٢١٤ .[٥] سورة الدخان ، الآية ١٣ .[٦] سورة النمل : الآية ٢٠ .[٧] سورة هود : الآية ٨٧ .