ميراث محدث اُرموي - اشکوری، جعفر - الصفحة ١٠٦
و كذلك العين في الرؤية ؛ لأنّ الأعمى لا يتمكن من المراقبة و المحافظة ؛ لعدم رؤيته من يرعى حمى الغير ، فالأصل فيه هو العين . و هذا معنى ما قيدوا به علاقة الجزء و الكل باشتراط استعمال الجزء في الكل بكونه مما يُنتفى بانتفائه الكل ، فالمدار و المعيار في صحة التجوز تحقق الاتحاد و لو تنزيلاً و ادعاءً بين المعنى الحقيقي و المجازي بأي معنى كان . و حيث إن ظهور شرافة مكة و منى و بروز احتراماتهما لأجل بيانات النبي صلى الله عليه و آله و انتسابه إليهما ـ فكأن قوام مكة من حيث هي مكة لوجوده « ص » ـ فصح إطلاق مكة عليه في قوله : يا ابن مكة و منى . و يمكن أن يكون النظر إلى مجرد الانتساب ، كما يقال : « فلان من أبناء البصرة أو الكوفة » أي من أهاليهما ؛ من جهة علاقة الحالّ و المحل ، كما في قوله تعالى : «وَ سْئلِ الْقَرْيَةَ» [١] أي أهلها . بقي الكلام في الغرض بأنّ النداء في هذه العبارات العديدة حقيقة كانت أو مجازا ؛ فإن المنادى هو المطلوب إقباله بالنداء؛ على ما قاله أهل العربية . و لكن الأغراض من النداء مختلفة ؛ فقد يكون المقصود منه التكلم ، و قد يكون منه الاستغاثة ، و قد يكون منه الحضور ليتعجب منه الناس ، و قد يكون المنظور منه التفجع و التوجع كما في الندبة . و الظاهر أنّ هذه ليس كل منها معنى آخر لحروف النداء ، بل من قبيل اختلاف الأغراض من النداء بحسب اختلاف الموارد ، و له نظائر في الموارد الاُخر ؛ فإن الاستفهام طلب الفهم ، فقد يكون الغرض منه الإنكار أو التوبيخ أو التقرير أو الإبهام أو الشك أو غير ذلك مما ذكروه في كتب العربية . و كيف كان فالظاهر كون الغرض من النداء في هذه العبارات هو البعث و التهييج و تحريص حجة العصر ـ عجل اللّه تعالى فرجه ـ كي يدعو ربه فيستجاب له ، كما اُشير إليه في الفصل السابق ؛ مأخوذا من الآية الشريفة : «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ» [٢] الخ . أ لا ترى أنه إذا كان رجل مظلوما ، و يراه رجل آخر مقتدر على رفع الظلم منه و هو من الشجعان و من نسل الشجعان و سليل الكرام ، فيناديه بأمثال العبارات التي يهيِّج له الحمية ،
[١] سورة يوسف ، الآية ٨٢ .[٢] سورة النمل ، الآية ٦٢ .