الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٥٣ - باب البداء
وسبق في باب صفات الذات أنّ اللَّه تعالى كان عالماً ولا معلوم، [١] وبيّنّا أنّه لم يكن المعلوم موجوداً، لا وجوداً عينيّاً ولا ارتساميّاً ظلّياً، بل كان ثابتاً ثبوتاً متعالياً عن أن يصل إليه وهم، وأشبه ما يُقال في مقام التعبير والتفهيم ثبوت الانتزاعيّات للمنتزع منه قبل أن ينتزعها منتزع، وتلك المعلومات الثابتة له تعالى- التي لم تشمّ رائحة الوجود بعدُ بوجه لا الوجود العيني ولا الارتساميّ الظلّي- ذوات ممكنة وصفاتها اللازمة والمفارقة وأحوال كلّ منها- إذا اخذ مع المقارنات وما ينتزع من الصفات وصفات الصفات وهلمّ جرّاً، بل ما لا هويّة له إلّابنحو من المقايسة والاعتبار بما له هويّة- كالممتنعات بالذات، والجميع قد انكشف في الأزل بجميع شؤونه واعتباراته التي تتبع وجوده العيني على فرض وجوده للذات الأقدس الواحد الأحد المنكشف لنفسه بكنهه الذي لا يعلمه إلّاهو، وبما هو تحت قدرته الكاملة التي لا يمتنع منها شيء، وليس بينه تعالى وبين تلك المعلومات علم غيره، كما نصّ عليه أمير المؤمنين ٧ في خطبة نقلها الصدوق- طاب ثراه- في كتاب التوحيد، ونقلها عنه في باب صفات الذات وانكشاف تلك الأشياء في الأزل للذات الأقدس المنكشف لنفسه علمه بها [٢]، وهو المعنيُّ ب «علم» في قول العالم ٧ في تعداد الخصال.
ثمّ إنّ تلك المعلومات قسمان:
قسمٌ لا يستحقّ بوجهٍ من الوجوه فيضانَ الوجود عليه من منبع الكرم والجود؛ لكونه منافياً لملك الملك على الإطلاق وعزّ جلاله وعظمته وسلطانه، فهو في مضيق العدم، ومحبس الليس بالحبس المؤبّد.
وقسم يستحقّ الوجود بوجه فهو، من حيث ذلك الوجه ممّا يصل إليه ذوو العقول ويشاؤونه، وجناب الأقدس- تعالى شأنه- مقدّس عن الميلان، فمجرّد علمه
[١]. راجع: الكافي، ج ١، ص ١٠٧، ح ١.
[٢]. راجع: التوحيد، ص ٧٢، ح ٢٧.