الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٦٨ - باب معاني الأسماء واشتقاقها
والعدم، كما سبق في باب صفات الذات أنّه «كانَ اللَّهُ ولا شيءَ غيرُه، ولم يَزَلْ عالِماً بما يكون، وعِلْمُه به قبلَ كَوْنِه كعلمه به بعد كونه». [١]
وفي حديثٍ آخر: «لم يَزَلِ اللَّهُ عالِماً بالأشياء قبل أن يَخلُقَ الأشياءَ، كعِلْمه بالأشياء بعد ما خَلَقَ الأشياءَ». [٢]
وقد حقّقنا هنا أنّ وقوع العلم على المعلوم ليس إلّامجامعةَ العلم الأزلي لوجود المعلوم، وسيجيء في باب جوامع التوحيد أنّه تعالى أحاط بالأشياء عِلْماً قبل كونها، فلم يَزْدَدْ وبكونها علماً عِلْمُه بها قبل أن يُكوّنها كعِلْمه بها بعد تكوينها [٣]، فعينيّة الشيء بالجزئيّة لا بالوجود، ولهذا يعقل الخلاف بأنّ الشيء بعد الإعدام هل يعاد بعينه أو بمثله؟ ولا يلزم على القول بالعينيّة ارتكاب خلاف الضرورة، ويتيسّر التفصّي عن مفاسد القول بالمثليّة.
وليعلم أيضاً أنّ العَلَم باتّفاق علماء الأدب ما وضع لشيء بعينه، وقد عرفت أنّ مناط العينيّة الجزئيّةُ، لا الوجود، فإذا أدركت جزئيّاً ووضعت له لفظاً، فاسمه ذلك اللفظ في إطلاقات العامّة، وتلك الصورة الإدراكيّة في اصطلاح المتكلّمين، والمسمّى هو الجزئي الخارجي، والصورة مطابقة له؛ إذ لا تغاير بينهما إلّابالوجودين، فالاسم في العَلَم عين المسمّى.
ولمّا لم يمكن تصوّر الذات الأقدس على وجه الجزئيّة؛ لأنّ جزئيّته بوجوده الخاصّ الذي هو عين ذاته، فتصوّره على وجه الجزئيّة إنّما يتصوّر إذا دخل هو سبحانه بعينه في الذهن، وجلال كبريائه تعالى أعظم وأجلّ من ذلك باعتراف الجميع، وإن كان بعضهم غافلين عن أنّه لازم القول بالعَلَميّة، بل ولازم القول بعينيّة الاسم للمسمّى، فالاسم هناك غير المسمّى وإن كان غير مشتقّ، ولذا جعل الإمام ٧ بعدما بيّن اشتقاق لفظ «اللَّه» مناطَ الغيريّة هو الاسميّةَ، فقال: «والاسم غير المسمّى» ومثّل
[١]. الكافي، ج ١، ص ١٠٧، باب صفات الذات، ح ٢.
[٢]. المصدر، ح ٤.
[٣]. الكافي، ج ١، ص ١٣٤، باب جوامع التوحيد، ح ١.