الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٥٢ - باب حدوث الأسماء
أظهر من كلّ شيء؛ أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر وحاجب؛ أو أنّه غير مستور، بل هو في غاية الظهور، والنقص إنّما هو من قِبَلنا.
ويجري نظير الاحتمالات في الثاني، ويُحتمل على الثاني أن يكون المراد أنّه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى.
وأمّا تفصيل الأجزاء وتشعّب الأسماء، فيمكن أن يُقال: إنّه لمّا كان كنه ذاته تعالى مستوراً عن عقول جميع الخلق، فالاسم الدالّ عليه ينبغي أن يكون مستوراً عنهم، فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدلّ على كنه الذات من جميع الصفات الكماليّة، ولمّا كانت أسماؤه تعالى ترجع إلى أربعة- لأنّها إمّا أن تدلّ على الذات، أو الصفات الثبوتيّة، أو السلبيّة التنزيهيّة، أو صفات الأفعال- فجُزّئ ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعةٍ، واحدٌ منها للذات فقط، فلما ذكرنا سابقاً استبدّ تعالى به ولم يعطه خلقاً، وثلاثة منها يتعلّق بالأنواع الثلاثة من الصفات، فأعطى ليعرفوه بها بوجهٍ من الوجوه؛ فهذه الثلاثة حجب ووسائطُ بين الخلق وبين هذا الاسم المكنون؛ إذ بها يوصَلون إلى الذات وإلى الاسم المختصّ.
ولمّا كانت تلك الأسماء الأربعة مطويّةً في الاسم الجامع على الإجمال، لم يكن بينها تقدّم وتأخّر، ولذا قال: «ليس واحد منها قبل الآخر».
ويمكن أن يُقال على بعض الاحتمالات السابقة: إنّه لمّا كان تحقّقها في العلم الأقدس، لم يكن بينهما تقدّم وتأخّر.
أو يُقال: إنّ إيجادها لمّا كان بالإضافة على بعض الأرواح المقدّسة ولم يكن بالتكلّم، لم يكن بينها وبين أجزائها تقدّم وتأخّر في الوجود كما يكون في تكلّم الخلق. والأوّل أظهر.
ثمّ بيّن الأسماء الثلاثة؛ فأوّلها: «اللَّه» وهو الدالّ على النوع الأوّل؛ لكونه موضوعاً للذات المستجمع للصفات الذاتيّة الكماليّة.
والثاني: «تبارك» لأنّه من البركة والنموّ، وهو إشارة إلى أنّه معدن الفيوض، ومنبع الخيرات التي لا تتناهى، وهو رئيس جميع الصفات الفعليّة من الخالقيّة والرازقيّة والمنعميّة وسائر ما هو منسوب إلى الفعل، كما أنّ الأوّل رئيس الصفات الوجوديّة من العلم والقدرة وغيرهما.