الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٢٦ - باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه
فمعنى الآية أنّه إنّما يجب على اللَّه أن يتوب على الجاهلين من عباده- أي العوامّ ضعفاء البصيرة الذين يزعجهم أضعفُ محرِّك من المحرّكات الغضبيّة والشهويّة- دون العلماء بالمعنى المذكور؛ فإنّه لقوّة زواجرهم العلميّة ومقاوماتهم العقليّة خرجوا عن أن يجب على اللَّه تعالى قبول توبتهم، بل له أن يعذّبهم على معصيتهم عدلًا، وله أن يتوب عليهم تطوّلًا.
ونظير هذا ما سيجيء في كتاب الصلاة عن قول أبي عبداللَّه ٧: «هذه الصلوات الخمس المفروضات مَنْ أقامهنّ وحافظ على مواقيتهنّ، لقي اللَّه يوم القيامة وله عنده عهدٌ يدخله الجنّة، ومن لم يصلّهنّ لمواقيتهنّ ولم يحافظ عليهنّ، فذاك إليه؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه». [١]
ويشهد لهذا المعنى قول الصادق ٧ في الحديث السابق: «يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحد». [٢]
وعلى هذا فالغرض تشديد الأمر على العالم، كما فهمه الكليني ; وعنوَنَ الباب بذلك، فكأنّه تعالى يقول: إنّما يجب عليَّ التوبة لمن عمل السوء ثمّ لم يولَع فيه، بل تاب من قريب؛ لأنّ هذا هو الذي كتبتُ على نفسي.
قال تعالى في سورة الأنعام: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [٣].
وإذا بُني الأمر في الآية على هذا، فقوله ٧: «إذا بلغت النفس هاهنا لم يكن للعالم توبة» المراد بلوغ النفس إلى الحلق، ولم يعايِن أحوالَ النشأة الآخرة بعدُ، ولم يختلّ الحواسّ، وهو أواخر أزمنة الوصيّة والتنجيز.
فكأنّه ٧ يقول: إنّ الأمر مشدّد على العالِم بحيث إذا بلغ ذلك الحينُ فليس له توبة، بخلاف الجاهل؛ يدلّ على ذلك أنّ هذه الرواية بعينها ستجيء في باب ما أعطى اللَّه
[١]. الكافي، ج ٣، ص ٢٦٧، باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها، ح ٢.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٤٧، باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه، ح ١.
[٣]. الأنعام (٦): ٥٤.