الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٦٢٦ - باب ما يُفصَل بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة
خصّهما به ممّا ذكرناه ووصفناه، فلمّا مضى الحسن كان الحسين أحقّ وأولى؛ لدلالة الرسول عليه واختصاصه إيّاه وإشارته إليه، فلو كان الحسن أوصى الإمامة لابنه لكان مخالفاً للرسول ٦ و حاشى له من ذلك، وبعدُ فلسنا نشكّ ولا نرتاب في أنّ الحسين ٧ أفضل من الحسن بن الحسن، والأفضل هو الإمام على الحقيقة عندنا وعند الزيديّة؛ فقد تبيّن لنا بما وصفنا كذب المغيريّة، وانتقض الأصل الذي بنوا عليه مقالتهم، ونحن لم نخصّ عليّ بن الحسين بن عليّ : بما خصّصناه به محاباة، ولا قلّدنا في ذلك أحداً، و لكنّ الأخبار قرعت سمعنا فيه بما لم تقرع في الحسن بن الحسن.
ودلّنا على أنّه أعلم منه ما نقل من علم الحلال والحرام عنه وعن الخلف من بعده وعن أبي عبد اللَّه ٧، ولم نسمع للحسن بن الحسن بشيء يمكننا أن نقابل بينه وبين ما سمعناه من علم عليّ بن الحسين ٧، والعالم بالدين أحقّ بالإمامة ممّن لا علم له، فإن كنتم يا معشر الزيديّة عرفتم للحسن بن الحسن علماً بالحلال والحرام فأظهروه، فإن لم تعرفوا له فتفكّروا في قول اللَّه عزّ وجل: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [١]، ولسنا ندفع الحسن بن الحسن عن فضل و تقدّم وطهارة وزكاء وعدالة، والإمامة لا يتمّ أمرها إلّابالعلم بالدين، والمعرفة بأحكام ربّ العالمين، وتأويل كتابه. ولارأينا إلى يومنا هذا ولا سمعنا بأحد قالت الزيديّة بإمامته إلّاوهو يقول في التأويل- أعني تأويل القرآن- على الاستخراج، وفي الأحكام على الاجتهاد والقياس، وليس يمكن تأويل القرآن بالاستخراج؛ لأنّ ذلك كان ممكناً لو كان القرآن إنّما انزل بلغة واحدة، فكان علماء أهل تلك اللغة يعرفون المراد، فأمّا والقرآن قد نزل بلغات كثيرة، وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلّابتوقيف، مثل الصلاة والزكاة والحجّ، وما في هذا الباب منه، وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلّا بتوقيف ممّا نعلم وتعلمون أنّ المراد منه إنّما عرف بالتوقيف دون غيره، فليس يجوز حمله على اللغة؛ لأنّك تحتاج أوّلًا أن تعلم أنّ الكلام الذي تريد أن تتأوّله ليس فيه توقيف أصلًا، لا في جملته ولا في تفصيله.
فإن قال منهم قائل: لم تنكر أن يكون ما كان سبيله أن يعرف بالتوقيف فقد وقف اللَّه
[١]. يونس (١٠): ٣٥.