الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٢١ - باب في أنّ من اصطفاه اللَّه من عباده و أورثهم كتابه هم الأئمّة
السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» [١].
جعل سبحانه في هذه الآية الكونَ في الجنّات وصفَ حال للسابقين دون أصحاب اليمين، ولابدّ لذلك من نكتة، فلتكن تلك النكتة بعينها مرعيّةً في إرجاع ضمير «يدخلون» إلى «السابق بالخيرات» في الآية التي نحن فيها دون المقتصد.
والظاهر أنّ النكتة كون السابقين هم الأصل، والمقتصدين وأصحاب اليمين إنّما يدخلون الجنّة ببركة أتباعهم، والمتعارف في الضيافات ذكر الأصل والمقصود بالذات، دون الأتباع الذين هم بالعرض.
والتوجيه الذي ذكرنا موافق لما عليه أهل الذكر الراسخون في العلم، فلا يعدل عنه إلى غيره إلّاالذين في قلوبهم زيغ.
وما قال المتسمّون بالعُلماء في مجلس المأمون من أنّ المراد جميع الامّة ممّا لا يقبله ذوق من له دراية بأساليب الكلام؛ لأنّ المراد بالإيراث إن كان هو الاستيداع والاستحفاظ كما هو الظاهر بحسب المقام، فظاهر أنّ جميع الامّة- الذين فيهم الباغون على أئمّة العدل حسداً وحبّاً للرياسة الباطلة باعتراف الكلّ- ليسوا أهلًا لذلك؛ وإن كان المراد مجرّد الإبقاء فيهم، فوصف المورثين بالاصطفاء عارٍ عن الفائدة، بل مخلّ غير ملائم لقوله: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ» كما لايخفى.
وقد تفطّن لذلك البيضاوي، وخصّ المصطفين بالعلماء من الصحابة ومن بعدهم [٢].
وبالجملة، فالمعنى على الاحتمال الذي ذكرنا: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا» الموحى إليك- أي استودعناه واستحفظناه الذين اصطفينا من عبادنا- الجماعةَ الذين خلّصناهم من بين هذه الامّة عن كدورات الرجس: رجس الذنوب وإضاعة ما استودعوه واستُحفظوه تعمّداً أو خطأً أو سهواً، أي فطرناهم صافين خالصين؛ من باب ضيّق فم الركيّة.
وإنّما أورثناهم الكتاب كيما إن حرّف كلمةً منه المتصنّعون بالإسلام، أواقتحم في متشابهه الجاهلون الذين تراءسوا قبل أن يعضّوا في العلم بضرس قاطع، كان للمسترشدين سبيل إلى استعلام الحقّ، وإلى دليل يهديهم في كلّ حادثة نزلت بهم إلى حكمها المنزّل في الكتاب على العلم واليقين، دون الظنّ والتخمين: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى
[١]. الواقعة (٥٦): ١٠- ١٢.
[٢]. أنوار التنزيل، ج ٤، ص ٤١٩.