الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٧٢ - فلنشرح أجزاء الحديث على وفق الاصول المتقدِّمة
قوله ٧: (ومَنَعَهُم إطاقَةَ القبولِ). [ح ٢/ ٣٩٦]
في الصحاح: «المنع: خلاف الإعطاء. ومنعت الرجل عن الشيء فامتنع منه». [١]
والمراد الأوّل؛ أي لم يعطهم ما يطاق به القبول عن العقول والأنبياء من أسباب التوفيق؛ لعدم انتفاعهم بها على منوال قوله تعالى: «وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ» [٢]، هذا على ما في الكافي.
وأمّا على ما في التوحيد وهو: «ولم يمنعهم إطاقة القبول» [٣] فالمراد الثاني، وعلى هذا فنصب الإطاقة من باب الحذف والإيصال، أي لم يسلبهم القدرة على القبول، بل كان في وسعهم أن يقبلوا وإن لم يستطيعوه، أي لم يتيسّر لهم أن يصيروا علّة تامّة له.
وسيأتي في باب الاستطاعة.
وقوله ٧: (ولم يَقْدِروا أن يأتوا حالًا تُنْجِيهم من عذابه). [ح ٢/ ٣٩٦]
أي لم يستطيعوا؛ فإنّ القدرة قد تطلق على الاستطاعة.
وتحقيق المقام أنّ للإنسان بالنسبة إلى فعله الاختياري ثلاثَ حالات:
حالة لم يبق معها شيء ممّا يتوقّف عليه وجود ذلك الفعل، وهذا إذا تهيّأ له جميع ما يحتاج إليه من الأسباب والشرائط والمعدّات وارتفاع الموانع، كصحّة البدن ووجدان الآلات الداخليّة والخارجيّة وتخلية السرب ومصادفة ما يهيج معه الإرادة، وليس وجود الفعل وعدمه بالنسبة إلى صاحب الحالة سواءً، بل يقع الشروع في الفعل لا محالة، ويستتمّ ما لم ينفسخ الإرادة بعروض مهيّج لإرادة مقابلة للُاولى، ولم يعرض مانع من الخارج أو خلل في الآلة.
وحالة اخرى تكون النسبتان معها متساويتين، وتحقّق كلّ من الفعل والترك متوقّف على انضمام إرادة هي المعبّر عنها بالإجماع في اصطلاح العلماء، وذلك إذا حصل جميع الشرائط والأسباب سوى المصادفة المذكورة.
[١]. الصحاح، ج ٣، ص ١٢٨٧ (منع).
[٢]. الأنفال (٨): ٢٣.
[٣]. التوحيد، ص ٣٥٤، ح ١.