الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٦٥ - باب السعادة و الشقاء
اعلم أنّ الذات الأقدس- تعالى شأنه- وإن كان واحداً أحداً منزّهاً عن شوب جميع أنحاء الكثرة، إلّاأنّه معدن كمالات لا تحصى، وله من معاني الحسن والبهاء ما لا يستقصى؛ إذ جميع ما فشا في عالم المُلك والملكوت من لطائف الحسن وبدائع الجمال- التي أعجبت أبصار الناظرين وبصائر المستبصرين- ظلالُ وعكوسُ ذلك الحسن والجمال، بل هي كسرابٍ بِقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً (نظم):
ابرو كه بود در نظرت چون محراب* * * چشمى كه ربوده است از چشم تو خواب
بر روى سراب، چهرهاى تشنه حُسن* * * آن هيات موج دان و اين شكل حباب
وقد اشير إلى كمالاته التي لا تتناهى في حديث: «كنت كنزاً مخفيّاً» [١] ووصلت إلينا بواسطة سفرائه الكرام عدّة من أسمائه الحسنى، وندبونا إلى أن نقرّ له تعالى بالجميع على وجه الإجمال في تشهّد كلّ صلاة بقولنا: «والأسماء الحسنى كلّها للَّه» وبقولنا:
«وخير الأسماء كلّها للَّه» وأوقفنا عزّ شأنه على عدّة اخرى بفعاله العجاب في الإتقان.
وقد سبق في باب معاني الأسماء واشتقاقها في رواية أبي هاشم الجعفري عن أبي جعفر ٧ أنّ رجلًا سأله وقال: له تعالى أسماء وصفات في كتابه، وأسماؤه وصفاته هي هو، فقال ٧: «إنّ لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: هي هو [أي] أنّه ذو عَدَدٍ وكثرة؛ فتعالى اللَّه عن ذلك، وإن كنت تقول: هذه الصفات [والأسماء] لم تزل؛ فإنّ «لم تزل» محتملٌ معنيين؛ فإن قلتَ: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقُّها، فَنَعَم» الحديث. [٢]
وتلك الأسماء وإن كان مبدأ جميعها مجرّدَ الذات الوحداني حقّاً، إلّاأنّ كلّاً منها باعتبار غاية مخصوصة وأثر مخصوص، ولابدّ أن يتحقّق أثره؛ مثلًا العالميّة أثره وغايته انكشاف الشيء للذات، ويمتنع أن يكون تعالى مستحقّاً لاسم «العالم» ولن ينكشف له شيء أبداً، وإذ كان اللَّه ولا شيء معه، فالمنكشف له أوّلًا وبالذات هو ذاته
[١]. بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ١٩١ و ٣٤٤؛ تفسير الكبير للرازي، ج ٢٨، ص ٢٣٤؛ الإحكام للآمدي، ج ١، ص ١٣١؛ تفسير ابن عربي، ج ٢، ص ١٢٣؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٥، ص ١٦٣؛ تفسير أبي السعود، ج ٢، ص ١٣٠؛ تفسير الآلوسي، ج ١٤، ص ٢١٦؛ و ج ١٧، ص ١٢١.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ١١٦، ح ٧.