الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٤٠ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
بالقوّة الباصرة على ما هو شأن القوى الاخر، ولا النجّار على فعل الخيّاط من حيث ملكة النجارة، وهكذا الأمر في سائر المبادئ بلا تفرقة، واللَّه سبحانه فاعل بالإطلاق، وفعله مطلق؛ بمعنى أنّه ليس فيه- عزّ شأنه- حيثيّة أو جهة هي جهة صدور فعل دون آخر، وإلّا لكان فيه جهة دون جهة، وذلك ممتنع؛ لاستلزام ذلك اختلاف جهاته بالنسبة إلى الأشياء وبالقرب والبُعد والاقتدار وعدمه، فهو جلّ سلطانه لا يقيّده الأدوات بهذا المعنى، وأظنّك ما سمعت بهذا التحقيق من غيرنا؛ ففتّن به. [١]
قوله ٧: «بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له».
قال الفاضل شارح التوحيد:
هذا وما بعدها من الفقرات إنّما يبتني على قاعدة شريفة وأصل أصيل:
أمّا القاعدة: فهي أنّ الفاعل المستغني بذاته عن كلّ شيء لا يوصف بالشيء المعلول له؛ إذ الوصف يدلّ على الكمال والوجود كما في الخبر، فيستكمل هو بخلقه، وذلك ينافي الغنى الذاتي.
وأمّا الأصل: فهو أنّ فاعل الشيء يجب أن لا يكون فيه شيء من معلوله بأن يكون هو سنخاً له؛ وذلك لأنّ الحقّ في الجعل إنّما هو جعل الطبائع- كما هو صريح في قوله:
«بتشعيره المشاعر»- جعلًا بسيطاً حتّى توجد مشاعر، فجاعل الطبيعة النوعيّة إنّما يجعل جنسها مقيّداً بالفصل؛ إذ لا وجود له إلّابذلك الفصل؛ لأنّه يعيّن الجنس، فإذا كان ذلك الجنس المعلول حاصلًا في العلّة، يلزم علّيّة الشيء لنفسه، ولا مجال هاهنا للقول بأنّه علّة لذلك الجنس في ضمن هذا الفرد؛ إذ قد قلنا: إنّ المجعول بالذات هو الطبيعة، والفرد مجعول بالعرض ببراهينَ ليس هنا محلّ ذكرها.
وبالجملة، لو كان من المعلول سنخ في العلّة، لزم كون الشيء معلولًا لنفسه، وذلك ممتنع؛ فبتشعير اللَّه المشاعر وجعله إيّاها عرف العارفون باللَّه أن لا مشعر له، لا جنسه ولا سنخه، فالعلّة مباينة للمعلول بتمام ذاتها وحقيقتها؛ وليذهب الحسن يميناً وشمالًا. [٢]
قوله ٧: «وذلك قول اللَّه عزّوجلّ: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»» [٣].
[١]. شرح توحيد الصدوق، ج ١، ص ١٥٥- ١٥٦.
[٢]. شرح توحيد الصدوق، ج ١، ص ١٥٧- ١٥٨.
[٣]. الذاريات (٥١): ٤٩.