الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٤٣ - باب الإرادة أنّها من صفات الفعل و سائر صفات الفعل
خاصّة استهال الوجود.
وظاهر أنّ ما كان بحال كذا من الأفعال سيفعل لا محالة، ومجرّد كونه معلومَ الحقيقة عند اللَّه لا يوجب وجوده، بل قد يجب عدمه، وذلك إذا كان العلم بحقيقته مع العلم بمضادّته، فتبصّر.
وفي كتاب بحار الأنوار بعد نقل الحديث من كتاب التوحيد:
لعلّ [المراد] المشيّة المتأخّرة من العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنّه في اللَّه تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغايرته للعلم ظاهر، ويحتمل أن يكون المقصود بيانَ عدم اتّحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلقَ العلم، إذ العلم يتعلّق بكلّ شيء، بل العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا يتعلّق إلّابما هو كذلك.
وفرق آخر بينهما وهو أنّ علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله، بخلاف علمه به على النحو الخاصّ، فالسبق على هذا محمول على السبق الذاتي الذي يكون بين العامّ والخاصّ؛ والأوّل أظهر. [١]
انتهى كلامه أعلى اللَّه مقامه.
أقول: الذي هناك علم بما هو خير ونافع، وعلم بما ليس خيراً ونافعاً، والأوّل مشيّة وجود المعلوم بالأحداث، والثاني عدم مشيّة وجود المعلوم، والشامل للعلمين إنّما هو مفهوم اعتباري لا أمر له تقدّم ذاتي على الخاصّ، بل هو متأخّر عن الخاصّين؛ لكونه منتزعاً منهما، ولعلّ مقصوده- دام عزّه- التقريب إلى الأفهام.
وقال السيّد الفاضل المحشّي:
أي ليس معنى المشيّة معنى العلم بعينه؛ فإنّ العلم هو مناط الانكشاف، والمشيّة مخصّص المنكشف برجحان الوقوع والصدور، فمن المعلوم ما يشاء، ومنه ما لا يشاء.
وقوله: «فقولك: إن شاء اللَّه [دليل على أنّه لم يشأ]»: دليل على أنّه لم يكن بذاته مناطَ المشيّة، أي التخصيص والترجيح المتعلّق بأحد الطرفين، بل هو بذاته مناط لما به يصحّ أن يكون شائياً وأن لا يكون.
[١]. بحار الأنوار، ج ٤، ص ١٤٤.