الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٨ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
إنّهما» إلى آخره، إشارة إلى الدليل على المسلك الأوّل بما تحريره أنّه: لو كان اثنين، فلا يخلو إمّا أن يكونا مستقلّين بالقدرة والتأثير في جميع ما في حيطة عالم الإمكان، أو يكونا ضعيفين، أو يكونَ أحدهما ضعيفاً والآخر قويّاً، والأقسام بأسرها باطلة:
أمّا الأوّل، فلأنّه يستلزم قوّة كلّ منهما ضعفَ الآخَر حيث إنّ مراد أحدهما لمّا وقع بإرادته المستقلّة التي لا تمنعها إرادة الآخر لفرض الاستقال فيها، فلو أراده الآخر أيضاً، يلزم توارد العلّتين على معلول، وهو باطل؛ فتعيّن عدم إرادة الآخر، فيلزم ضعفه؛ وبالعكس لو أراد.
وبالجملة، قوّة كلّ منهما تستلزم ضعف الآخَر، وما وقع عنه بقوله ٧: «هذا ثاني البراهين وهو أحد الوجوه البرهانيّة فلِمَ لا يدفع» استفهام إنكاري، أي معلوم أنّه كما في قوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»، [١] يدفع كلّ منهما الآخر عن قوّته، وإلّا يلزم ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح، فاستقلال كلّ منهما يستلزم ضعف الآخر، فكلّ منهما قويّ وضعيف معاً؛ هذا خلفٌ.
وقوله: «فإن قلت» إلى قوله: «ثمّ يلزمك» الخ، إشارة إلى الدليل على المسلك الثاني بما تقريره: أنّه لو تعدّد فلا يخلو إمّا أن يكون نسبة كلّ من المعلولات إليهما في الصدور على السواء، أم لا، وكلاهما باطل:
أمّا الأوّل، فلأنّه على فرض صدوره عنهما لو أرادا، لزم توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد شخصي، وعلى فرض صدور بعض عن أحدهما وبعض عن الآخر، ترجيح من دون مرجّح، وإليه أشار بقوله ٧: أن يكونا متّفقين».
وأمّا الثاني، فلأنّ افتراق الفاعلين أحدهما عن الآخر في التأثير فيما إذا كان لأحدهما نفع عائد إليه كما في الممكنات الفاعلة؛ لأنّه يصحّ افتراقها في التأثير؛ لمنفعة نيل المثوبات ودفع العقوبات.
وأمّا في الواجب على تقدير تعدّده، فلا يستقيم ذلك أصلًا؛ لأنّه غنيّ مطلقاً، فلا مصلحة له نظراً إلى فعله لا يكون لآخَر، وعلى فرض وقوع الافتراق في التأثير والإيجاد يلزم عدم اتّساق نظام الوجود وعدم تلازم أجزائه على ما يشير إليه بقوله: «إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ» [٢] وهو باطل.
[١]. الأنبياء (٢١): ٢٢.
[٢]. المؤمنون (٢٣): ٩١.