الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٧٩ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
والوجه الآخر أنّه رأى آثار العمد والتدبير، والحكمة والتقدير، الدالّةَ على الصانع القدير، فاشيةً في أقرب الأشياء إليه، وهو نفسه كما نبّه عليه في قوله تعالى:
«وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» [١]، فأوجب له علماً اضطراريّاً وإن كان استدلاليّاً، كما هو الشأن في النتائج الفطريّة التي قياساتها معها، فلا يستطيع الجحود وادّعاء الشكّ إلّا على وجه الإلجاء والعنود، وسيجيء إتمام الكلام في هذا المقام في شرح حديث:
«اعرفوا اللَّه باللَّه». [٢]
وإلى التذلّل التسخيري والعلم الاضطراري أشار أمير المؤمنين ٧ في نهج البلاغة حيث قال: «لم يُطْلِعِ العقولَ على تحديدِ صفتِه، ولم يَحْجُبْها عن واجبِ معرفته، فهو الذي شهد [٣] له أعلامُ الوجودِ على إقرارِ قلبِ ذي الجُحُودِ». [٤] وقال تعالى: «جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً» [٥]، وحديث تذلّل القلب له تعالى عند كسر السفينة وانقطاع الرجاء عن الخلق بالكلّيّة من شواهد هذا الباب.
فظهر أنّ كلّ من استشمّ رائحة العقل عالم بأنّ في الوجود من بيده زمام أمره علماً اضطراريّاً، ومتذلّل له تذلّلًا طبيعيّاً تسخيريّاً، وإن غفل عن ذلك أحياناً ولم يشعر به، فإنّما هو بسبب التوغّل في الملاهي، وبلوغ نشأة الغفلة حدَّ الكمال والتناهي.
نعم، هذا العلم يكون خاملًا لجهلين:
أحدهما: الجهل بأسمائه الحسنى والصفات اللأئقة به.
والثاني: الجهل بأنّه كما هو ربّه وإلهه فهل هو إله الكلّ وربّ العالمين؟ فالحمدُ للَّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه.
وفي حاشية السيّد الجليل الرفيع ;:
هذا الدليل والأدلّة التي ستذكر في الأحاديث الآتية كلّها مبنيّة على مقدّمات مرتكزة في العقول السليمة، لا يُشكّ فيها إلّاعند الاشتباه الناشئ من ورود الشُّبه التي لا يُقدَر
[١]. الذاريات (٥١): ٢١.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٨٥، باب أنّه لايعرف إلّا به، ح ١.
[٣]. في المصدر: «تشهد».
[٤]. نهج البلاغة، ص ٨٧، الخطبة ٤٩.
[٥]. النمل (٢٧): ١٤.