الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٥٦ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته، وربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه والإرب فيه، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ كالذي أقدمت عليه المانيّة [١] الكفرة، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال، فيحقّ- على من أنعم اللَّه عليه بمعرفته، وهداه لدينه، ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير، وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها- أن يُكثر حمد اللَّه مولاه على ذلك، ويرغبَ إليه في الثبات عليه والزيادة منه؛ فإنّه جلّ اسمه يقول: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ» [٢].
يا مفضّل أوّل العِبَر والدلالة على الباري- جلّ قدسه- تهيئة هذا العالم، وتأليف أجزائه، ونظمها على ما هي عليه؛ فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك، وميّزته بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المُعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة [٣] كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءَمة، وأنّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضاً على بعض جلّ قدسه، وتعالى جَدّه، وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون، وجلّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون». [٤]
قال ٧ في موضع آخر:
«فكِّر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كلّ منهما للإرب؛ فاليدان للعلاج، والرِّجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد
[١]. في المصدر: «المنانية». وفي البحار: «المانوية».
[٢]. إبراهيم (١٤): ٧.
[٣]. في المصدر: «مضيئة».
[٤]. توحيد المفضّل، ص ٤٤- ٤٧؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ٥٩.