الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٠٠ - ختام مسك لرحيق تحقيق
فعرف القلب بدلالة العين أنّ مدبّر الأرض هو مدبّر السماء.
ثمّ سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة والليّنة الطيّبة، وعاينت العين ما يُقلع من عظام الشجر، ويهدم من وثيق البنيان، وتسفى من ثقال الرياح، تخلّى منها ناحية وتصبّها في اخرى بلا سائق تبصره العين، ولا تسمعه الاذن، ولا يدرك بشيءٍ من الحواسّ، وليست مجسّدة تلمس، ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين وسائر الحواسّ على أن دلّت القلبَ أنّ لها صانعاً، وذلك أنّ القلب يفكّر بالعقل الذي فيه، فيعرف أنّ الريح لم تتحرّك من تلقائها، وأنّها لو كانت هي المتحرِّكةَ لم تكفف عن التحرّك، ولم تهدم طائفة وتعفى اخرى، ولم تقلع شجرة وتَدع اخرى إلى جنبها، ولم تُصِب أرضاً وتنصرف عن اخرى.
فلمّا تفكّر القلب في أمر الرِّيح، علم أنّ لها محرِّكاً هو الذي يسوقها حيث يشاء، ويسكنها إذا شاء، ويُصيب بها من يشاء، ويصرفها عمّن يشاء.
فلمّا نظر القلب إلى ذلك، وجدها متّصلةً بالسماء وما فيها من الآيات، فعرف أنّ المدبّر القادر على أن يمسك الأرض والسماء هو خالق الريح ومحرّكها إذا شاء، وممسكها كيف شاء، ومسلّطها على من شاء، وكذلك دلّت العين والاذن والقلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغيرهما من حواسّه حين حرّكته، فلمّا دلّ الحواسّ على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غِلَظِها وثِقَلها وطولها وعرضها وما عليها من ثقل الجبال والمياه والأنعام وغير ذلك- وإنّما تتحرّك في ناحية [ولم تتحرّك في ناحية] اخرى، وهي ملتحمة جسداً واحداً وخلقاً متّصلًا بلا فصل ولا وصل، تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم اخرى- فعندها عرف القلب أنّ محرّك ما حرّك منها هو ممسك ما أمسك منها، وهو محرّك الريح وممسكها، وهو مدبّر السماء والأرض وما بينهما، وأنّ الأرض لو كانت هي المزلزلةَ لنفسها لم تقع زلزلتها، ولم تسكن رجعتها، ولو كانت هي المتمسّكةَ لما تزلزلت ولما تحرّكت، ولكنّ الذي دبّرها وخلقها حرّك منها ما شاء.
ثمّ نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب المسخّر بين السماء والأرض