شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٤٥٤ - الثّالث والرّابع في الأين والوضع
يكون ذلك الانتقال دفعة، فهو كذب، لأنّ الانتقال عن القيام إلى القعود يكون قليلاً قليلاً، حتّى يوافي في النّهاية الّتي هي القعود، كالحال في الانتقال من السّفل إلى العلو بعينه.
وأمّا كيفيّة وجود الحركة في الوضع، فهو أنّ كلّ مستبدل وضع من غير أن يفارق بكلّيّته المكان، بل بأن يتبدّل نسبة أجزائه إلى أجزاء مكانه وإلى جهاته، فهو متحرّك في الوضع لا محالة. لأنّ مكانه لم يتبدّل، بل يتبدّل وضعه في مكانه، والمكان هو الأوّل بعينه.
وإذا كان التبدّل في الوضع وكان يقع ذلك تدرجاً يسيراً يسيراً، كان ذلك التبدّل حركة في الوضع، إذ كانت كلّ حركة هي تبدل حالة بهذه الصفة وبالعكس، فتكون منسوباً إلى الحالة الّتي تبدّلت، لا إلى شيء آخر لم يتبدّل.
ولست أعني بهذا أنّ كلّ متحرّك في وضع فهو ثابت في مكانه، فليس يجب من قولي إنّ كلّ ثابت في مكانه يستبدل وضعه بالتّدريج فهو متحرّك في الوضع، أنّ كلّ متحرّك في الوضع كذلك، بل لا أمنع أن يكون الشّيء لا يتغيّر وضعه إلاّ وقد تغيّر مكانه، كما لا أمنع أن يكون شيء لا يتغيّر كمه إلاّ وقد تغيّر مكانه، بل الغرض أن تثبت وجود المتحرّك في الوضع بإثبات متحرّك ما في الوضع. وأمّا أنّه، هل يمكن أن يكون الشّيء يتبدّل وضعه وحده ولا يتبدّل مكانه؟ فليعلم إمكانه من حركة الفلك.
ثمّ بيّن ذلك بما حاصله: إنّ من الفلك ما لا مكان له عندهم أَلبتّة وهو الفلك الأعظم مع أنّ له هذا التبدّل في الوضع، ومنه ماله مكانه، لكنّه لا يخرج من مكانه ولا يتحرّك فيه مع ثبوت تبدّل الوضع فيه كسائر الأفلاك.