شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١١٣ - الفرع الثّالث في أنّ الضوء ليس شرطاً في وجود اللّون
الهواء نفسه لا يكون مظلماً، إنّما المظلم هو الّذي هو المستنير.
وبالجملة: فإنّ الظلمة عدم الضوء في ما من شأنه أن يستنير، وهو الشّيء الّذي قد يرى، فالنّور يرى وما يكون فيه النّور يرى، والشفّاف لا ترى ألبتة، فالظّلمة هي في محّل الاستنارة .
وما يظنّ; أنّ هناك ألواناً لكنّها مستورة ليس بشيء، فإنّ الهواء لا يستر، وإن كان على الصّفة الّتي ترى مظلماً إذا كانت الألوان بالفعل. تأمّل، كونك في غار وفيه هواء كلّه على الصّفة الّتي تظنّه أنت مظلماً، فإذا وقع النّور في جسم خارج موضوع في الهواء الّذي تحسبه نيّراً، فإنّك تراه، ولا يضرّك الهواء المظلم الواقف بينه وبينك، بل الهواء عندك في الحالين، كأنّه ليس بشيء. وإنّما الظلمة، فهي حال أن لا ترى شيئاً، وهو أن لا تكون الكيفيّات الّتي إذا كانت موجودة في الأجرام الّتي لا تشف صارت مستنيرة، فهي مظلمة، فلا تراها ولا ترى الهواء، فيتخيّل لك ما يتخيّل لك لو غمضت العينين وسترتهما فتتخيّل لك ظلمة مبثوثة تراها.
فالجسم الّذي من شأنه أن يرى لونه ; إذا كان غير مستنير كان مظلماً، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل .
لكنّه إن سمّى إنسان الاستعدادات المختلفة الّتي تكون في الأجسام الّتي إذا استنارت صارت واحد منها الشّيء الّذي تراه بياضاً والآخر حمرة ألواناً، فله ذلك، إلاّ أنّه يكون باشتراك الاسم، هذا خلاصة ما في " الشّفاء "»[١].
[١] لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: ٢ / كتاب النّفس / ٨٠ ـ ٨١ .