موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٢ - كتابه إلى أمير اليمامة
فلما قدم عليه أكرمه و أنزله، و دفع إليه الكتاب فقرأه، فلما قرأه قال له سليط:
يا هوذة، إنّك سوّدتك أعظم حائلة و أرواح في النار!و إنّما السيّد من متّع بالإيمان ثم زوّد بالتقوى، و إنّ قوما سعدوا برأيك، فلا يشقون به!و إنّي آمرك بخير مأمور به و أنهاك عن شرّ منهيّ عنه!آمرك بعبادة اللّه و أنهاك عن عبادة الشيطان؛ فإنّ في عبادة اللّه الجنة و في عبادة الشيطان النار: فإن قبلت نلت ما رجوت و أمنت مما خفت، و إن أبيت فبيننا و بينك كشف الغطاء و هول المطّلع!
هوذة: يا سليط، سوّدني من لو سوّدك تشرّفت به، و قد كان لي رأي أختبر به الامور ففقدته، فاجعل لي فسحة يرجع إليّ فيها رأيي فاجيبك إن شاء اللّه.
و كان عند هوذة رجل رومي من عظماء نصارى دمشق فقال له هوذة:
جاءني كتاب من محمد يدعوني إلى الإسلام فلم اجبه. فقال الرومي: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بديني، و أنا أملك قومي و لئن اتّبعته لا أملك!فقال الرومي: بلى و اللّه، لئن اتّبعته ليملكنّك، و إنّ الخير لك في اتّباعه، فانّه للنبيّ العربيّ الذي بشّر به عيسى بن مريم عليه السّلام، و انه لمكتوب عندنا في الانجيل: محمد رسول اللّه.
ثم كتب هوذة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ما أحسن ما تدعو إليه و أجمله، و أنا شاعر قومي و خطيبهم، و العرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتّبعك» !ثم أجاز سليطا بجائزة و كساه أثوابا من نسج هجر، و أرسل وفدا فيهم مجاعة بن مرارة، و الرحّال بن عنفوة و معهم غلام اسمه كركرة هدية له صلّى اللّه عليه و آله [١] .
فلما قدم الرسول عليه صلّى اللّه عليه و آله و أخبره بما جرى و قرأ الكتاب على النبيّ، قال:
لا، و لا كرامة لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت، باد و باد ما في يديه. ثم قال:
اللهم اكفنيه [٢] .
[١] ذكره الطبرسي في أعلام الورى ١: ٢٨٧.
[٢] فلما انصرف من فتح مكة أخبره جبرئيل بموت هوذة، كما في الطبقات الكبرى ١: ٢٦٢.