مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ٤٠٢ - الحفظ لایقوم مقام الکتابة و لا یؤثّر أثره
نشره. و قراءةُ الکتب أبلغُ فی إرشاد المسترشد من ملاقاة واضعیها؛ إذ کان مع التّلاقی یَقوَی التّصنّعُ، و یکثر التّظالمُ، و تُفرط النّصرةُ، و تشتدّ الحمیّةُ، و عند المواجهة یملک حبَّ الغلبة و شهوةَ المباهاة و الرّیاسةِ، مع الاستحیاء من الرّجوع و الأنَفَةِ من الخضوع. و عن جمیع ذلک یحدُث التضاغنُ، و یظهر التّباینُ. و إذا کانت القلوبُ علی هذه الصّفة امتنعت من المعرفة، و عمیَت عن الدّلالة. و لیست فی الکتب علّةٌ تمنع من دَرَکِ البُغیة و إصابةِ الحُجّة؛ لأنَّ المتوحّد بقرائتها و المتفرّد بعلمِ معانیها لا یباهی نفسَه، و لا یغالب عقلَه. قال: و الکتاب قد یَفضُل صاحبَه، و یرجح [یرجع] علی واضعه بأُمورٍ منها: أنَّ الکتاب یُقرَأ بکلّ مکانٍ، و یظهر ما فیه علی کلِّ لسانٍ، و موجودٌ فی کلّ زمانٍ، مع تفاوت الأعصار و بُعدِ ما بین الأمصار، و ذلک أمرٌ مستحیل فی واضع الکتاب و المنازعِ بالمسئلة و الجوابِ. و قد یذهب العالمُ و تبقی کتبُه، و یفنی العقلُ و یبقی أثرُه. و لولا ما رسَمتْ لنا الأوائلُ فی کتبها، و خلّدت من فنونِ حِکَمها، و دوّنت من أنواعِ سِیَرها، حتّی شاهدنا بذلک ما غاب عنّا، و أدرکنا به ما بَعُدَ منّا، وجمعنا إلی کثیرهم قلیلَنا، و إلی جلیلهم یسیرَنا، و عرفنا ما لم نکن لِنعرفه إلّا بهم، و بلغنا الأمدَ الأقصی بقریبِ رسومهم، إذَن لخسر طلّابُ الحکمة، و انقطع سببُهم عن المعرفة. و لو أَلجَینا إلی مَدَی قوّتنا، و مَبلغ ما تقدر علی حفظه خواطرُنا، و ترکنا مع منتهی تجارتنا لِما أدرکته حواسُّنا و شاهدته نفوسُنا، لقلّتِ المعرفةُ، و قصرتِ الهِمَّةُ، و ضعفتِ المنّةُ، و ماتتِ الخواطرُ، و تبلّد العقلُ، و نقص العلمُ. فکان ما دوّنوه فی کتبهم أکثرَ نفعًا، و ما تکلّفوه من ذلک أحسنَ موقعًا، و یجب الاقتفاء لاثارهم، و الاستضاء بأنوارهم؛ فإنّ المرءَ مع مَن أحَبَّ، و له أجرُ ما احتسب.
أخبرنا الحسن بن محمّد الخلّال، أخبرنا أحمد بن محمّد بن عِمران، قال: سمعتُ