دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٥٧٥ - عبور سعد بن أبي وقاص بعسكره دجلة على متن الماء يوم جراثيم في صفر سنة ست عشرة
صلب الوادي، فأبى و تردد عن ذلك، و فجأهم المدّ، فرأى رؤيا: أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت، و قد أقبلت من المدّ بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، فجمع سعد الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه، فقال: إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم و هم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم و ليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، و إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعا: عزم اللّه لنا و لك على الرشد، فافعل، فندب سعد الناس إلى العبور فقال: من يبدأ و يحمي لنا الفراض [١] حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمر، و انتدب بعده ستمائة رجل من أهل النّجدات، و استعمل عليهم عاصما، فسار عاصم فيهم حتى وقف على شاطىء دجلة ثم قال: من ينتدب معي نمنع الفراض من عدوكم؟ فانتدب له ستون منهم فجعلهم نصفين على خيول إناث و ذكور ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا فلما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها أذن للناس في الاقتحام و قال: قولوا نستعين باللّه و نتوكل عليه، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، لا حول و لا قوّة إلا باللّه العلي العظيم. و تلاحق عظم الجند فركبوا اللّجة، و إن دجلة لترمي بالزّبد، و إنها لمسودّة، و إن الناس ليتحدثون في عومهم، و قد اقترنوا، كما يتحدثون في مسيرهم على الأرض، ففجأوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فأجهضوهم و أعجلوهم على حمل أموالهم، و دخلها المسلمون في صفر سنة ست عشرة، و استولوا على كلّ ما بقي في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف و ما جمع شيرويه و من بعده.
[١] الفراض: مفردها «فرضة» و هي مرسى السفن من البحر و المراد به هنا: مكان نزول الجند.