دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٣١ - اقتصرنا من ذكر أخلاقه و صفاته على هذين الخبرين
يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو فاوضه [١] في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، و من سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه و خلقه فصار لهم أبا و صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم و حياء و صبر و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات و لا تؤبن فيه الحرم، و لا تثنّى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، و يرحمون الصغير، و يؤثرون ذوي الحاجة، و يحفظون الغريب.
قال: قلت كيف كانت سيرته في جلسائه؟.
قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ و لا غليظ، و لا صخّاب في الأسواق، و لا فحّاش، و لا عيّاب، و لا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، و لا يوئس منه [راجيه] [٢] و لا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار [٣]، و ما لا يعنيه؛ و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، و لا يعيّره، و لا يطلب عورته، و لا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، و لا يتنازعون عنده [الحديث] [٤]، من تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك مما يضحكون منه، و يتعجب مما يتعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة من منطقه و مسألته، حتى إن أصحابه ليستجلبونهم، و يقول: إذا رأيتم طالب حاجة
[١] في الأصل «قاومه» فصححناه من الشمائل.
[٢] ما بين الحاصرين من الشمائل.
[٣] في الشمائل «و الإكبار».
[٤] ما بين الحاصرين من الشمائل.