دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٦٠٣ - القول فيما أوتي سليمان
هذا المسجد، تواعدوا له حتى يأخذوه، قال: فتواعدنا له، فجئنا إليه لنأخذه، فسمعنا صوتا، ما ظننا أنه بقي بتهامة جبل إلا تفتت، قال: فغشي علينا، فما عقلنا حتى قضى صلاته، ثم رجع إليه أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فجاء الصّفا و المروة حتى التقتا إحداهما بالأخرى فحالتا بيننا و بينه، فواللّه ما نفعنا ذلك، حتى رزقنا اللّه الإسلام، و أذن لنا فيه.
و كذلك قصة أبي جهل مرة أخرى، حلف ليطأنّ على رقبته إن رآه مصليا، فنكص على عقبيه و قال: رأيت بيني و بينه خندقا من نار و هولا و أجنحة. فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): لو دنا منّي لا ختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل اللّه عز و جل سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ- العلق ١٨- فالجنّ عملت لسليمان مع كفرهم أمور الدنيا، لأنها منتنة و مقترحة و دعوبة [١] و عملت الملائكة للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بالإيمان، فلم يستعص عليه منهم أحد، كما قال اللّه عز و جل إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ- آل عمران ١٢٤- و قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ- الأنفال ٩- فما أيد اللّه تعالى نبيا قبله بالملائكة غير محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فقاتلت معه يوم بدر كفاحا، كقتال الناس و ذلك قوله تعالى إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ- الأنفال ١٢-.
فلما نزلت الملائكة يوم بدر للقتال قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر و هو معه في العريش ليس معه غيره: أبشر يا أبا بكر، أتاك اللّه بالنّصر، هذا جبرئيل
[١] كذا- و لعله و مقبوحة و ملعونة كما في هامش الأصل المطبوع.