الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٨٨ - ٥٩ درّة نجفية في الفرق بين المجتهدين و الأخباريين
قد طعن به كلّ من علماء الطرفين على الآخر، بل ربّما انجرّ إلى القدح في الدين، و لا سيّما من الخصوم المعاندين، كما شنّع عليهم به الشيعة في انقسام مذهبهم و دينهم إلى المذاهب الأربعة، بل شنّع به كلّ من أرباب المذاهب الأربعة على الآخر.
و أمّا ثانيا: فلأن ما ذكروه في وجوه الفرق بين الفرقتين، و جعلوه مائزا بين الطائفتين، جلّه، بل كلّه- عند التأمل بعين الإنصاف، و تجنّب جانب التعصّب و الاعتساف- لا يوجب فرقا على التحقيق، كما سنوضح لك ذلك في المقام بأوضح بيان تشتاقه الطباع السليمة و الأفهام.
و لقد كان العصر الأول مملوءا من المحدّثين و المجتهدين، مع أنه لم [١] يرتفع بينهم صيت هذا الاختلاف، و لم يطعن منهم أحد على الآخر بالاتّصاف بهذه الأوصاف، و إن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل، و اختلفوا في تطبيق تلك الدلائل، بل كما هو شأن العلماء من كلّ قبيل، و الأمر الدائر بينهم جيلا بعد جيل.
و حينئذ، فالأولى، و الأليق بذوي التقوى، و الأحرى في هذا المقام و الأقوى، هو أن يقال: إن علماء الفرقة المحقّة، و فضلاء الشريعة الحقة- رفع اللّه تعالى درجاتهم، و ألحقهم بساداتهم- سلفا و خلفا إنّما يجرون على مذهب أئمتهم المعصومين و طريقتهم التي أوضحوها لديهم؛ فإنّ جلالة شأنهم و سطوع برهانهم و ورعهم و تقواهم المشهور، بل المتواتر على ممرّ الأيام و الدهور، يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة و الطريقة المستقيمة، و لكن ربّما حاد بعضهم- أخباريا كان أو مجتهدا- عن الطريق؛ غفلة أو توهّما أو لقصور اطلاع أو
[١] من «ح»، و في «ق»: لا.