التفسیر الصافي ط - لبنان - الفيض الكاشاني، محسن - الصفحة ٣٩٥ - مكية عدد آيها تسع وثمانون آية
والهمزة فيها للتقرير أو متصلة والمعنى أفلا تبصرون فتعلمون أني خير منه.
[٥٣] فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أي فهلا القي إليه مقاليد الملك إن كان صادقا إذ كانوا إذ سودوا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار وقريء اسورة أو جاء معه الملائكة مقترنين مقارنين يعينونه أو يصدقونه.
[٥٤] فاستخف قومه استخف احلامهم أو طلب منهم الخفة في مطاوعته ودعاهم فأطاعوه فيما أمرهم به إنهم كانوا قوما فاسقين اطاعوا ذلك الفاسق في نهج البلاغة ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هرون على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصا فشرطا له إن أسلم فلذلك بقاء ملكه ودوام عزه فقال ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل فهلا ألقي عليهما أساور من ذهب إعظاما للذهب وجمعه إحتقارا للصوف ولبسه ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرضين لفعل ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحل الأنباء ولما وجب للقائلين اجور المبتلين ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ولا لزمت الأسماء معانيها ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قّوة في عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام وملك تمد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الأعتبار وأبعد لهم من الأستكبار ولأمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مايلة بهم وكانت السيئات مشتركة والحسنات مقتسمة ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الأتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والأستكانة لأمره والأستسلام لطاعته امورا له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة وكلما كانت البلوى والأختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل.
[٥٥] فلما اسفونا أغضبونا بالأفراط في العناد والعصيان انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين في اليم. في الكافي والتوحيد عن الصادق ٧ إنه قال في هذه الآية إن الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ولكن هذا معنى ما قال من ذلك وقال أيضا من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها وقال أيضا من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال أيضا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى المكوّن الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول إن المكوّن يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغير وإذا دخله التغير لم يؤمن عليه بالأبادة ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكوِّن من المكوَّن ولا القادر من المقدور ولا الخالق من المخلوق تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا هو الخالق للأشياء لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة إستحال الحد والكيف فيه فافهم ذلك إنشاء الله.
[٥٦] فجعلناهم سلفا قدوة لمن بعدهم من الكفار وقريء سلفا بضمتين ومثلا للآخرين وعظة لهم.
[٥٧] ولما ضرب ابن مريم مثلا لعلي بن أبي طالب ٧ حيث قيل إن فيه شبها منه إذا قومك قريش منه من هذا المثل يصدون قيل أي يضجون فرحا لظنهم أن الرسول صار ملزما به وقريء بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه وقيل هنا لغتان.
وفي المعاني عن النبي ٦ أنه قال في هذه الآية الصدود في العربية الضحك.
[٥٨] وقالوا ءألهتنا خير أم هو وقريء بإثبات همزة الأستفهام ما ضربوه لك إلا جدلا ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق عن الباطل بل هم قوم خصمون شداد الخصومة حراص على اللجاج.