انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٢٤٥
بمقتضى غريزة جبرية و هى غريزة جلب المنفعة ودفع الضرر .
ثم تصل النوبة بعد هذه الى اعمال النفس و اختيارها وارادتها
بمقتضى سلطانه الذاتى وقوة الاختيار وقدرة الانتخاب التى جعلها الله
تعالى لذاتها فلها ان تختار وتنتخب , و لها ان لاتختار ولا تنتخب .
ثم اذا اختارت وانتخبت تصل النوبة الى حركة العضلات نحو العمل ,
والارادة عين هذا الاختيار الفعلى والانتخاب الخارجى , هذا اولا .
وثانيا : ظهر ان الارادة ليست فى طول الشوق المؤكد بلا تخلل شىء ,
بل صفة الاختيار متخللة بينهما والشاهد على ذلك ان الانسان كثيرا ما
يتصور شيئا ذا المنفعة والفائدة ويصدق فائدتها و يشتاق اليه , ولكن مع ذلك
لايتصدى له فى الخارج ولا تترشح من النفس ارادة العمل لما يكون لها من
صفة الاختيار وقوته , و حينئذ نشاهد تخلل صفة الاختيار بين الشوق والارادة .
وبهذا تنحل مشكلة عدم اختيارية الارادة , فانه اذا كانت الارادة
عبارة عن الاختيار الخارجى الفعلى والتصدى فى الخارج بمقتضى صفة الاختيار
الذاتية للانسان كانت ارادية واراديتها انما تكون بذاتها لابقوة اختيارية
اخرى حتى يتسلسل .
و ان شئت قلت : ان ارادية كل فعل انما هى بالارادة , وارادية
الارادة انما هى بصفة الاختيار الكامنة فى النفس وارادية صفة الاختيار و
اختياريتها انما هى بذاتها فان كل ما بالعرض ينتهى الى ما بالذات , و
ذلك مثل ان المعلوم يكون معلوما بتعلق العلم به والعلم معلوم بذاته
لايتعلق علم آخربه .
يبقى الكلام فى توضيح نكتة ان الارادة كيف تترشح و تنشأ من صفة
الاختيار الكامنة فى النفس و ان النفس تخلقها و توجدها بذاتها وبلا وسائط
اخرى خارجية , فنذكر فى هذا المجال ما افاده فى رسالة الطلب والارادة , و
نعم ما افاد , فانه جدير بالدقة والتأمل واليك نص كلامه[ : ( اعلم ان
الافعال الاختيارية الصادرة من النفس على ضربين : احدهما ما يصدر منها
بتوسط الالات الجرمانية كالكتابة والصياغة والبناء