انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٢٣٦
تعالى جهلا لانه كان يعلم بصدوره عن اختياره , ولذا قال الشاعر
الفارسى العالم الخبير فى الجواب عن الشعر السابق[ ( علم ازلى علت
عصيان گشتن نزد عقلا ز غايت جهل بود]( , و هذا نظير نسخة المريض التى
يكتبها الطبيب لرفع مرضه مع امره باجتنابه عن بعض المأكول او المشروب فلو
فرضنا ان الطبيب علم من بعض القرائن عدم امتثاله و ارتكابه لما نهى عنه و
بالنتيجة دوام مرضه و موته فهل يمكن حينئذ ان يستند موت المريض الى علم
الطبيب ؟ وهكذا اذا علم الاستاذ الممتحن عدم نجاح تلميذه فى الامتحان من
بعض القرائن من قبل فهل يصح ان يستند عدم نجاحه الى علم الاستاذ ؟ او
فرضنا اختراع آلة ينعكس فيها جميع افعال العباد والحوادث الاتية فهل يجوز
استناد جميع تلك الحوادث الى تلك الالة ؟ كلا , فان علم البارى تعالى
بافعال عباده من هذا الباب .
والانصاف ان هذا الدليل اشبه شىء بالمغالطة و سيأتى ان الميل
الى مذهب الجبر ليس له علة فلسفية برهانية فحسب بل له بذور اخلاقية او
اجتماعية او نفسانية , وان الانسان يميل اليه و يلتزم به لان يكون مستريحا
فى المعاصى فى مقابل وجدانه القاضى بعصيانه والحاكم باستحقاقه للمذمة
والعقاب , وقد قال الله تعالى فى حق منكرى القيامة[ ( بل يريد الانسان ليفجر امامه ]( ( ١ ) و هكذا حال منكرى الاختيار المتمسكين بمذهب الجبر .
هذا كله ما استدل به الجبريون المعتقدون بالله .
وهناك وجوه اخرى للقول بالجبر يشترك فيها كلتا الطائفتين الالهيون والماديون :
الاول : برهان التكرار وهو انه لوكنا مختارين فى اعمالنا لوجب
القدرة على تكرار الاعمال بعينها فاذا القينا حجرا فى موضع خاص وكان هو
معلولا لاختيارنا
١ القيامة ٥ .