الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ٣١٢ - الكسل في أمر المعيشة
الكسل عن أمر المعيشة:
ورد في الحديث عن أبي جعفر، محمد بن علي الباقر ٧: "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ فَإِنَّ مَنْ كَسَلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ، فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَلُ "، وفي نسخة "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" ويختلف المعنى. فإذا كان النص "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، يعني: أني أبغض هذا الكسول بذاته، يعني أن متعلق البغض والكراهة هو ذات الرجل الكسول. وأما أذا كان النص " إنَي لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" فيكون المعنى أن الإمام يبغض عمله.
وعلى أي حال فإن الكسل عن أمور الدنيا وتحصيل المعاش قد يكون راجعا إلى خلل فكري، حين يقول بعضهم في تبرير ذلك: ما قيمة الدنيا؟ ليس لها قيمة، وإنما خلق الإنسان للآخرة، فعليه أن يسعى لتلك الباقية بدلا من هذه الفانية! ينتج عن هذا أن يكسل عن أمر معاشه وإن نشط في أمر عبادته، وربما أضاف إلى هذه الفكرة، فكرة أخرى غير صحيحة من أن الرزق لما كان من عند الله فإذا عبدت الله وتوكلت عليه فقد تكفل برزقك، ولعل قسما غير قليل من المتصوفة والدروايش يعتقدون بهذا، فهم لا يسعون في أمر معاشهم ويتمثلون بالقول:
إن الذي شق فمي كافل بالرزق حتى يتوفاني[١]
[١] [٣٤٥] ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات وجعل رزقها عليه (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وبالنسبة للبشر(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ)، وهذا لا يختلف فيه أحد من أهل الدين، وإنما الكلام أنه هل وضع قواعد في ذلك وسننا أو لا؟ لقد ربط الله سبحانه رزقه بأن جعل الأرض ذلولا، وطلب من خلقه أن يمشوا في مناكبها حتى يأكلوا من رزقه.. وبلغ الأنبياء والأوصياء عن ربهم أن من جملة من لا يستجاب دعاؤهم من يجلس في منزله ويدعو ربه بالرزق.. فعن الامام الصادق (أ رأيت لو أنّ رجلا دخل بيتا وطيّن عليه بابه. ثمّ قال. رزقي ينزل عليّ كان يكون هذا أحد الثلاثة الّذي لا يستجاب لهم قلت: من هؤلاء قال:.. والرجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر ولا يلتمس ولا يطلب حتّى يأكله. ثمّ يدعوا فلا يستجاب له).