الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٤ - البخل وشح النفس
من جديد يقرر: أن يلحقها برأس المال. ليربح أكثر في سنة أخرى فيتركها سنة، ثانية، ثالثة، ورابعة. وبينما هو يقتر على نفسه، يتنعم أصحاب البنوك بها ويتوسعون ويعيشون حياة أفضل بأموال هذا البخيل الذي دأبه أن يجمعها ويكومها في جيب مالك البنك! وإلى أن يأتيه الموت وهو على هذا الحال، يتمتع الغريب في ماله ويتنعم فيه بينما يحرم نفسه ويمنع الأقربين من الاستفادة من هذه الأموال! فيعيش عيشة الفقراء! احتياطا للمستقبل الذي لن يأتي! وهذا ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين ٧، عندما قال: "عَجَبًا لِلْبَخِيلِ! يَتَعَجَّلُ الفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ". فهو يعيش الفقر الفعلي الحاضر من خوف فقر مستقبلي لا يعلم هل يأتي أو لا يأتي!
ها هو الآن يعيش الفقر لعشرين أو ثلاثين سنة، ويبقي أسرته أيضًا في ظل هذه العيشة الصعبة، وقد يخسر حب زوجته وود أولاده، وربما انفصلوا عنه وتركوه! او دخلوا معه في نزاعات، هذا فضلا عن المجتمع الذي يتحاشاه ولا يحترمه! إذ السخاء هو طريق مودة الناس.. حتى إذا انقضت هذه الأيام حوسب في الآخرة حساب الأغنياء وأنه من أين اكتسب هذه الأموال وما هي مصادرها!
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصة أحد المسلمين البخلاء في عصر النبي ٦، مبيّنًا فيها أن البخل قد يسبب النفاق: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[١].
وحيث أن القصة قد وقعت محلا لجدل طويل عريض نوردها بتمامها ونشير إلى رأينا:
[١] التوبة: ٧٥ـ ٧٧