الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ١٢٧ - هل يؤثر الحاسد على المحسود؟
والثانية، هي: التي تتحدث عن قصة أبناء النبي يعقوب، عندما دخلوا إلى مصر وأمرهم أبوهم ألّا يدخلوا من باب واحد، وقال: (يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[١]. ويفهم منها هؤلاء: أن يعقوب النبي أوصى بنيه بذلك حتى لا يُنظروا بعين ولا يُنضلوا. أي حتى لا تصيبكم العين. لا سيما وهم ١١ أخاً! فليدخلوا من أبواب متفرقة، وقد قيل إنها أربعة أبواب!
غير أن الذين يخالفون هذا الرأي يرون أنه لا توجد دلالة واضحة على المعنى المستفاد من الآية؛ فإن هناك احتمالات كثيرة فيه ولا يقتصر الأمر على الخوف من العين، ولذلك ذكر المفسرون عدة توجيهات[٢] لأمر يعقوب النبي أبناءه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، أحدها خوف العين ولكن هناك توجيهات أخر، فلا تكون الآية دليلا تاما لهذه القضية.
بل ربما يخطو أصحاب النظر المخالف خطوة إلى الإمام، فيقولون: علام يحسدون أبناء يعقوب؟ وهم - ضمن عرف ذلك الزمان - مجموعة من البداة! آتين من البادية، بينما كانت مصر مركزًا حضاريًا مهمًا، فيه الغنى والثروة بينما أبناء
[١] يوسف: ٦٧
[٢] [١٢٠] (فقد رأى بعض المفسرين، أنه خاف عليهم الملك أن يرى عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسدًا أو حذرًا! كما في تفسير الماوردي؛ النكت والعيون ٣/٥٩ ناقلا إياه عن بعض المتأخرين. واستبعد مفسرون آخرون خوف العين على مثل نبي الله يعقوب لا سيما مع الآية المباركة (وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) من الحكمة والنبوة فلا يغني عن اللَّه شيء وإنما تخوف عليهم أن تترقبهم أعين الطامعين! وذهب المراغي في تفسيره إلى أن وجه الأمر بالدخول من أبواب متفرقة، هو أنه لو حسدهم الحاسدون أو كادهم الكائدون، فلو حل بهم مكروه يخشى أن يصيبهم جميعا إذا كانوا من باب واحد بخلاف ما إذا كانوا من أبواب متفرقة!