الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ١٠٨ - هكذا تحدث القرآن عن الحسد
أو نفاذ ثروته، أو زوال جاهه فإن المحسود لا يتأثر بمجرد تمني الحاسد فلا تزول صحة المحسود مثلا أو تحترق ثروته أو يسقط جاهه لمجرد أن الحاسد حسده أو تمنى ذهاب ذلك.
ولذلك يعتقد الباحثون أن من الخطأ ما انتشر واشتهر بين الناس من أنهم لا يحبون أن تظهر عليهم آثار النعمة لكيلا يحسدهم الآخرون فتزول عنهم النعمة! فيقال للشخص مثلا: لا تتزين، حتى لا يحسدك أحد. ويتحاشى أن يرِي الآخرين صورة ابنه الصغير، أو ابنته الصغيرة، الجميلين، فيقال له: لا تريها لأحد، وإلا سيحسدونهما. وعندها سيحصل لهما كذا من الأمراض!
لقد أصبح من المعتاد أن يقول أحدهم: بمجرد أن قلت لفلان أن حياتنا الزوجية حسنة، حسدنا! فصرنا ندخل في مشكلة ونخرج من أخرى!. أو عندما تحدثت عن عملي الجيد، ومديري الممتاز حسدوني على ذلك فصرت لا اخرج من مشكلة حتى أدخل في أخرى!
إن الباحثين يرون أن هذا هو مما لا أصل علمي له، وكذلك لا شيء واضحا من الدين يعضده[١]..
[١] [١٠٦] (قال أبو حامد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥ هـ) وهو من أعلام مدرسة الخلفاء، في كتابه إحياء علوم الدين ٩/ ١٤٥: أما أنه لا ضرر على المحسود في دينه و دنياه فواضح؛ لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره اللّه تعالى من إقبال و نعمة، فلا بد أن يدوم إلى أجل معلوم، قدره اللّه سبحانه، فلا حيلة في دفعه. بل كل شيء عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب. ولذلك شكا نبيّ من الأنبياء، من امرأة ظالمة مستولية على الخلق، فأوحى اللّه إليه فر من قدامها، حتى تنقضي أيامها. أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره، فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها. ومهما لم تزل النعمة بالحسد، لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة. ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي.
و هذا غاية الجهل، فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك، فإنك أيضا لا تخلو عن عدو بحسدك، فلو كانت النعمة تزول بالحسد، لم يبق للّٰه تعالى عليك نعمة، ولا على أحد من الخلق، ولا نعمة الإيمان أيضا، لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان. قال اللّه تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِكُمْ كُفّٰاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) إذ ما يريده الحسود لا يكون. نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره، فإن إرادة الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد، فكأنما يريد أن يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار، وكذا سائر النعم.
وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك، فهذا غاية الجهل والغباوة. فإن كل واحد من حمقى الحساد أيضا، يشتهي أن يخص بهذه الخاصية، ولست بأولى من غيرك، فنعمة اللّه تعالى عليك في أن لم تزل النعمة بالحسد، مما يجب عليك شكرها، وأنت بجهلك تكرهها. وقد أكد هذا المعنى بل نقله بما يشبه النص الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) من أعلام مدرسة الخلفاء في تفسيره مفاتيح الغيب ٣/ ٢٤٢ وكذلك فعل الشهيد الثاني زين الدين العاملي (استشهد سنة ٩٦٥ هـ) في كتابه المطبوع بعنوان رسائل الشهيد الثاني ١ / ٣١٧.. ونقله موافقا ولم يغير فيه تغييرا كثير الشيخ الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ) من محدثي الإمامية في كتابه المحجة البيضاء في إحياء الإحياء ٥ /٣٤٣.