الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ٣١٠ - الكسل في أمر المعيشة
فقد ترى أحدهم عندما يريد أن يصف حياته الهانئة يقول: الحمد لله أكل ونوم، فأنا مرتاح لدي من الأموال ما يكفي فلا أسعى لشيء! بينما هذا المفهوم نفسه في الثقافة الدينية مذموم، كما روي عن أمير المؤمنين ٧ الذي يقول (فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها).[١]
وقد تكون هذه الفكرة من بقايا الثقافة الجاهلية، التي كان الكسل فيها بالنسبة لبعض فئاتها مدحا فإذا بالمرأة عندهم تمدح بأنها مِكسال أو أنها نؤوم الضحى!، بل لعل طابع الحياة العربية قبل الاسلام كان على هذا النحو يتساوى في ذلك الرجال والنساء؛ فإن " حياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حدّ من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهودًا ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوسًا بغير عمل، أو في التحديق بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجبل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملًا كسولًا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام ويجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي إيجاد معانٍ وحيل ومخارج له".[٢]فما دام لا يوجد هدف دنيوي واضح يتم السعي له كما هو الحال في المجتمعات التي تتنافس في العلم والمعرفة[٣]، أو هدف ديني يشحذ الهمم والإرادات.. فما الذي يغير حياة الكسل؟
[١] الامام علي بن أبي طالب: نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة ٣ /٨١
[٢] علي ؛ د. جواد: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ٨ / ١٩٧
[٣] من جملة ما ذم به الحطيئة جرول، الزبرقان بن بدر أن قال له: دع المكارم لا تذهب لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي