الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٨ - البخل وشح النفس
هذه الخصلة السيئة في المجتمع فهو لا يكتفي بالآثار التي ستترتب عليه هو حيث يبخل (عن) نفسه (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ)، واستعمال الحرف (عن) أبلغ من على، فإن في معنى (عن) التجاوز والتخطي، يعني أنه يبخل متجاوزا حظ نفسه، وهو أنسب لما بعده من قول الله تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْركُمْ). بل يتجاوز الأثر الفردي إلى الاجتماعي عندما يكون من أولئك الجماعة (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) فهؤلاء أولا هم جماعة متعاضدة مترابطة وليسوا أفرادًا، وهم أيضًا يأمرون الناس بالبخل، ويظهر أن الأمر لا يختص بكتمان العلم كما ذهب إليه بعض المفسرين، وإنما يشمله والمال أيضًا وشاهده أن ما بعد هذه الجملة جاءت بكتمان العلم (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، مما يشير إلى تخالفهما وتغايرهما ولذلك لا نعتقد أنها خاصة باليهود كما ذهب إليه بعضهم.
إن البخيل يرى في وجود السخي فضيحة له، فيتمنى لو لم يكن هناك أسخياء، وإذا وجدوا سعى لتحذيرهم من العطاء، وتوعده بالفقر والمستقبل المظلم، وأن طريقته تلك تنتهي إلى إتلاف الأموال[١]!
أو ربما قال له إن من تعطيهم كذابون، وليست حاجتهم حقيقية، وإنهم مزورون! ولا بد من التأكد قبل دفع الأموال، بالرغم من أنه لا يخسرها من جيبه! لكن كما قلنا فإن وجود السخي هو فضيحة للبخيل! فلا يستطيع تحمل وجوده!
[١])[١٧] (قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٦/ ٦٥.. ان قيس بن سعد بن عبادة كان مع بعض أصحاب النبي في سفر في حياة رسول الله ٦، فكان ينفق عليهم ويفضل. فقال له أحدهم إن هذا لا يقوم به مال أبيك، فأمسك يدك!، فلما قدموا من سفرهم، وعلم والده سعد بن عبادة بمقالته قال له: أردت أن تبخّل ابني؟، إنا لقوم لا نستطيع البخل!.