شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٥٣ - فصل فى حقيقة صور المرايا و التّخيّل
أنّ بسائط المحسوسات لا يمكن تعريفها، إذ لا أظهر منها. فمن ليس له حاسّة البصر لا يمكن أن يعرف الضّوء و اللّون أصلا. فالعلم بنحوه يرجع إلى رؤيته.
فمعرفة الشّيء قد تكون نفس رؤيته، كعلمنا بالضّوء و اللّون، و كلّ ما لا يدرك إلاّ بحاسّة البصر، كالأشكال و أمثالها، و علوم المجرّدات كلّها، بجميع الأشياء، من هذا القبيل، و قد تكون مغايرة لها، كعلمنا بما هو محجوب عن بصرنا.
فهذه القوى فى البدن كلّها ما فى النّور الإسفهبذ ، من الاعتبارات و الجهات العقليّة الموجبة فى البدن آثارا بحسبها، هى أظلالها، و هى القوى، فهى أظلال فى النّور الإسفهبذ من الجهات.
و الهيكل، أى: البدن، و هو فى الأصل البناء، العظيم و المعبد، إنّما هو طلسمه، طلسم الإسفهبذ و صنمه حتّى أنّ المتخيّلة أيضا ، و إن كانت قوّة مدركة، لا قوّة استعداديّة كغيرها ، صنم لقوّة النّور الإسفهبذ الحاكمة ، لأنّ له قوّة قويّة حاكمة على الأشياء أحكاما عقليّة و حسيّة، و على نفسه أحكاما خاصّة بذاته. و لو لا أنّ النّور المدبّر له أحكام بذاته. ما حكم بأنّ له بدنا أو تخيّلا جزئيّا . و فى بعض النّسخ: «أو تخيّل جزئىّ» : أو له قوّة متخيّلة جزئيّة، إلى غير ذلك من الأحكام الجزئيّة المختصّة به، الّتي لا يمكن أن تصدر عن غيره. فهذه الأشياء ، من البدن و قواه الجزئيّة ، غير غائبة عنها ، عن قوّة النّور الإسفهبذ ، بل ظاهرة بها ظهورا ما.
و لمّا كان (٢٣٠ لقائل أن يقول: يمكن أن يكون الحاكم، بأنّ له بدنا و تخيّلا و غير ذلك، هو التّخيّل، لا النّور المدبّر، أشار إلى جوابه بقوله : و التّخيّل لا يأخذ صورة نفسه ، أى، لا يدرك نفسه ، فإنّه حاكم على المحسوسات و ما يتبعها ، من المتخيّلات، و التخيّل ليس بمحسوس ليأخذ صورة نفسه و يحكم عليها. و لا يقال: مسلّم أنّه ليس بمحسوس، و لكنّه معنى من المعانى الجزئيّة، فيدركه الوهم و يحكم عليه، لاتّحاد الوهم و التّخيّل عنده، على ما سبق تقريره.
و النّور الإسفهبذ محيط، بالبدن و قواه ، و حاكم بأنّ له قوى جزئيّة، و هى الّتي يدرك بها جميع المحسوسات، و له أخرى كلّيّة، بها يدرك جميع المعقولات ، فله