شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٥٢ - فصل فى حقيقة صور المرايا و التّخيّل
الخياليّة، فى حكم المحجوبين عن العالم العقلىّ. فلو ارتفع الشّاغل البدنىّ و المانع الحسّىّ بالكلّيّة، أو ضعف بالعلوم الحقيقيّة و الرّياضات القويّة البدنيّة، شاهد العالم العقلىّ و الأنوار المجرّدة مشاهدة أتمّ ممّا للبصر، كما يشاهده المتألّهون من أصحاب العروج الرّوحانيّ المنسلخون عن النّاسوت الجسمانيّ.
و قد جرّب أصحاب العروج للنفس مشاهدة صريحة أتمّ ممّا للبصر فى حالة انسلاخ شديد عن البدن، و هم متيقّنون حينئذ، أى: حالة الانسلاخ ، بأنّ ما يشاهدون من الأمور ليست نقوشا ، منطبعة ، فى بعض القوى البدنيّة ، بل يجزمون بأنّها ذوات قدسيّة قائمة بذواتها، دون محلّ و مكان و زمان. و الحال أن يقال: و المشاهدة البصريّة، باقية مع النّور المدبّر ، و إنّما أكّده بهذا، لئلاّ يظنّ أن يكون خيالا.
و من جاهد فى اللّه حقّ جهاده ، من المستعدّين لمشاهدة الأنوار لاعتدال مزاجه، و قهر الظّلمات، و هى: القوى البدنيّة و الأمور الحسيّة ، رأى أنوار العالم الأعلى مشاهدة أتمّ من مشاهدة المبصرات ، البصريّة هاهنا ، أى: فى هذا العالم.
فنور الأنوار و الأنوار القاهرة مرئيّة برؤية النّور الإسفهبذ ، لمناسبته إيّاهم فى النّوريّة و التّجرّد، و مرئيّة برؤية بعضها بعضا ، لنوريّتها و عدم الحجاب بينها، لتجرّدها.
و الأنوار المجرّدة كلّها باصرة. و ليس بصرها يرجع إلى علمها ، إذ لا يحتجب عنها شيء هو معلوم لها، ليرجع بصرها لذلك الشّيء إلى علمها به، بل علمها يرجع إلى بصرها ، فإنّ علومها كلّها بصريّة، لأنّها مشاهدة حضوريّة إشراقيّة، الّتي هى الرّؤية الحقيقيّة، بل عين اليقين و هذا بخلاف المحجوبين بالموادّ و غيرها من العلائق الجسميّة و العوائق البدنيّة.
مثلنا نحن، فإنّ بصرنا قد يرجع إلى علمنا. و ذلك فيما نعلمه بالبرهان الّذي هو علم اليقين دون أن نشاهده بالعيان الّذي هو عين اليقين، كعلمنا بالمجرّدات دون مشاهدتنا لها. فإن ظفرنا بها صار علم اليقين عين اليقين و اتّحدا. و قد يرجع علمنا إلى بصرنا. و ذلك فيما لا يمكن معرفته إلاّ بالرّؤية، كالأضواء و الألوان، لما عرفت