شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٣٩ - الفصل الاوّل فى المغالطات
المصادرة على المطلوب الأوّل ليس من جهة مادّة القياس و لا من جهة صورته. فإنّ المادّة صادقة و الصّورة صحيحة، بل الخلل فيه أنّ القول اللاّزم من القياس ليس قولا آخر غير المقدّمات، مع أنّ الواجب كونه كذلك، على ما عرف فى حدّ القياس.
أو كما يكون المقدّمة أخفى من النّتيجة ، كما يقال: «شيء كذا جزء الجوهر، و كلّ ما هو جزء الجوهر جوهر، فشيء كذا جوهر» . لأنّ جزء الجوهر إنّما يكون جوهرا إذا كان الجوهر محمولا على الشّيء حملا ذاتيّا، كحمله على الجسم مثلا، لا عرضيّا، كحمله على الأبيض مثلا، فإنّه لا يصحّ، لأنّ البياض جزء الأبيض الّذي هو جوهر، مع أنّه ليس بجوهر. فإذن قولنا: «كلّ ما هو جزء الجوهر جوهر» ، أخفى من قولنا: «شيء كذا جوهر» و هذا ليس من باب الأغلاط المادّيّة، بل من باب وضع ما ليس بعلّة علّة، لأنّ الأخفى و إن كان علّة فى نفس الأمر، لكنّه لا يكون علّة فى التّصديق، و العلّة القياسيّة يجب أن تكون علّة للتّصديق الّذي فى النّتيجة، فإن كانت مع ذلك علّة فى نفس الأمر كانت لميّة، و إلاّ كانت إنيّة.
أو مثلها ، مثل النّتيجة فى الظّهور و الخفاء، كقولك: «العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث» ، لتساوى النّتيجة و الكبرى فى الظّهور و الخفاء. فلا يكون، على تقدير تماثل النّتيجة و المقدّمة، تبيين النّتيجة بها ، بالمقدّمة، أولى من تبيينها بالنّتيجة .
و فى جعله هذا و ما قبله من المغالطات نظر، لأنّها لا يغلّطان. غاية ما فى الباب أنّ القياس لو اشتمل على مقدّمة كذلك لا يتمّ، لا أنّه يغلّط. و لهذا لا يدخلان تحت قسم من الأقسام الثّلاثة عشر المذكورة المنقسم كلّها إلى ما يورد على وجه الغلط و إلى ما يورد على وجه المغالطة، إمّا عنادا أو امتحانا.
أو تكون المقدّمة كاذبة يغلّط فيها، لاشتباه اللّفظ ، لأنّ الذّهن السّليم لا يصدّق الكاذب إلاّ إذا مشابها للصّادق بوجه ما. و اشتباه (٧٠ اللفظ إمّا من جهة أداة، بسبب اشتباه مصرفها. نحو: «كلّ ما يعلمه الحكيم فهو كما يعلمه» ، فإنّ لفظة «هو» يجوز عودها إلى «يعلمه الحكيم» ، فيصحّ الكلام، و إلى: «الحكيم، فيكذب، للزوم