شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١١٧ - الضّابط السّابع فى موادّ الأقيسة البرهانيّة
سبب الحكم فيه، بعد توسّط تصوّر الطّرفين و إحدى القوى الظّاهرة أو الباطنة، شيئا آخر، كحدس قوىّ من النّفس، كما فى الحدسيّات عند الجمهور، و لهذا لم يذكرها، لدخولها فى الحدسيّات على قاعدة الإشراق معنى و لفظا أيضا، لئلاّ يرد ذكره للمجرّبات و المتواترات نقضا؛ أو قياس خفىّ كما فى المجرّبات، أو غير هما كما فى المتواترات. و إلى ما ذكرنا أشار بقوله:
ثمّ ما نعلمه يقينا من المقدّمات ، ثلاثة أقسام، لأنّ المعلوم منها: إمّا أن يكون «أوّليّا» ، و هو الّذي تصديقه لا يتوقّف على غير تصوّر الحدود، و إن كان تصوّرها بالكسب. و هذا العبارة أحسن ممّا يقال فى المشهور: إنّ الأولىّ هو الّذي يكفى فى التّصديق بها تصوّر الموضوع و المحمول، لأنّه يختصّ بالحمليّات، و عبارته تشتمل جميع أصناف القضايا.
و لا يتأتى لأحد إنكاره بعد تصوّر الحدود ، لأن الأوّلىّ هو الّذي يكون تصوّر طرفيه، و إن كان بالكسب، كافيا فى الجزم بالنّسبة بينهما. و لا يتوقّف فيه، و لا ينكره، إلاّ من لم يتصوّر الحدود. كحكمك بأنّ: «الكلّ أعظم من الجزء» و «الأشياء المساوية لشيء واحد بعينه متساوية» ، و أنّ: «السّواد و البياض لا يجتمعان فى محلّ واحد» .
فإن قيل: لا نسلّم أنّ حكمك-أنّ السّواد و البياض لا يجتمعان فى محلّ واحد. و نحوه، كقوله فى التلويحات: «إنّ الشّخص الواحد فى حالة واحدة لا يحلّ مكانين» ، -أوّلىّ يكفى فى نسبة بعض أجزائها إلى بعض نفس تصوّرها دون مشاهدة، لافتقار العقل، فى نسبة بعض أجزائها إلى بعض، إلى مشاهدة باطنيّة، و ذلك ظاهر.
قلنا: إنّه و إن افتقر إلى المشاهدة، لكن تلك المشاهدة يفتقر إليها فى تصوّر أجزائه، فإنّ تصوّرها لا يتحصّل إلاّ بها. و أمّا بعد تحصّله فلا يفتقر ذلك التّصديق إلى غيره، فيكفى فى التّصديق [٥٩]مجرّد تصوّر أجزائه، و إن كانت تلك التّصوّرات غير مستغنية عن المشاهدة.
و لا نريد بقولنا: «دون مشاهدة» ، ما يفتقر إليها التّصوّر، بل ما يكون بعد تحصّله