موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ١٩٧ - العرج عذر شرعي
فإذا عرفت هذا، واطلعت على آراء المسلمين، بسنتهم وشيعتهم، وثبت لك أن العرج واحد من الأعذار التي يسقط معها التكليف بالجهاد، وهو عذر مقبول عند الله، ولا حرج ولا إثم عليه، كما ذكر سابقاً، علمت عظمة الموقف الذي وقفه الشهيد في كربلاء، حيث كان بإمكانه أن يتخلف عن الجهاد، ويكون تخلفه تخلفاً شرعياً مأذوناً فيه، ولكنه أبى إلا الجهاد والوقوف إلى جانب الحسين(علیه السلام)، وعدم الأخذ بهذه الرخصة التي ربما تمنعه من الوصول إلى درجات عالية كان يتمنى أن يصل إليها في حروبه وغزواته السابقة، فيكون موقف الشهيد أشبه ما يكون بموقف الصحابي الشهيد عمرو بن الجموح، والذي تنقل كتب التاريخ أنه كان شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسود، يشهدون مع رسول الله المشاهد كلها، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عذرك عن الجهاد، فأتى رسول الله فقال: إن بني يريدون حبسي عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله’: «أما أنت فقد عذرك الله تعالى، فلا جهاد عليك» وقال لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة»، فخرج وهو يقول، مستقبل القبلة: «اللهم لا تردني إلى أهلي خائباً، فقتل شهيداً([٤٠٠]). وفي بعض الروايات أنه جاء إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله، أرأيت إن أنا قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال له رسول الله’: «نعم»، فخرج إلى القتال فقتل، هو وابن أخيه ومولى لهم، فوضعهم رسول الله في قبر واحد وترحم عليهم([٤٠١]).
[٤٠٠] سيرة ابن هشام: ج٢ ص٩٠.
[٤٠١] الإصابة لابن حجر: ح ٥٨٠١.