موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٩٢ - أحمد ابن الناقد
و كان عظيم الأمانة، قوي السياسة شديد الهيبة على المتصرفين، حاسما لمواد الأطماع و الفساد، قيل إنه هجي ببيتين فلما سمعهما استحسنهما و هما:
وزيرنا زاهد و الناس قد زهدوا # فيه فكل عن اللذات منكمش [١]
أيامه مثل شهر الصوم خالية # من المعاصي و فيها الجوع و العطش
و ما زالت السعادة تخدمه إلى آخر عمره فمن جملة سعادته-و هو من الاتفاقات العجيبة ما حدث عنه و هو أنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد سنبوسجا كثيرا و أحب أن يداعب بعض أصحابه فأمر أن يحشى سبعون سبنوسجة بحب قطن و نخالة و تجعل مفردة، و عمل سبنوسجا كثيرا كجاري العادة و ركب إلى دار الخليفة فطلب منه عمل شيء من السنبوسج فذكر أن عنده شيئا مفروغا. و أمر خادما له بإحضار ما عنده من السنبوسج، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك المحشو بحب القطن و مزج الجميع و وضعه في الأطباق ليحمله إلى دار الخليفة، فجاء الجواري و الخدم و قالوا: أعطونا حصتنا من هذا. فأخذوا مائة سنبوسجة. و حمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلما حمل السنبوسج و صار بدار الخليفة و رجع ابن الناقد إلى داره سأل عن السنبوسج المحشو بحب القطن. فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك و فلان الخادم جاء و مزج الجميع و أخذه و مضى. فلم يشك أنه هالك و كادت تسقط قوته خوفا و خجلا. فقال: أما تخلّف منه شيء قط؟قالوا: قد اقتطع الجواري و الخدم منه حدود مائة سنبوسجة.
فقال: أحضروها، فأحضرت و فتحت بين يديه فوجد السبعون سنبوسجة المحشوّة بحب القطن قد حصلت بأيدي الجواري و الخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذ عنها واحدة إلى دار الخليفة. و مات نصير الدين في سنة
[١] قال مصطفى جواد: هذان البيتان للأمير أسامة بن مرشد في نور الدين محمود بن زنكي، ذكرهما العماد الأصفهاني في الخريدة على ما قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقد نقلهما «٢:
١٨٠» و فيهما «له فكل على الخيرات منكش» .